وأما الجهمية ، فالتوحيد عندهم : إنكار علو اللّه على خلقه بذاته ، واستوائه على عرشه ، وإنكار سمعه وبصره ، وقوته وحياته ، وكلامه وصفاته وأفعاله ومحبته ، ومحبة العباد له . فالتوحيد عندهم : هو المبالغة في إنكار التوحيد الذي بعث اللّه به رسله ، وأنزل به كتبه .
وأما القدرية ، فالتوحيد عندهم : هو إنكار قدر اللّه ، وعموم مشيئته للكائنات ، وقدرته عليها . ومتأخروهم ضموا إلى ذلك : توحيد الجهمية . فصار حقيقة التوحيد عندهم : إنكار القدر ، وإنكار حقائق الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وربما سموا إنكار القدر ، والكفر بقضاء الرب وقدره : عدلا . وقالوا : نحن أهل العدل والتوحيد .
وأما الجبرية ، فالتوحيد عندهم : هو تفرد الرب تعالى بالخلق والفعل ، وأن العباد غير فاعلين على الحقيقة . ولا محدثين لأفعالهم ، ولا قادرين عليها ، وأن الرب تعالى لم يفعل لحكمة ، ولا غاية تطلب بالفعل . وليس في المخلوقات قوى وطبائع وغرائز وأسباب . بل ما ثمّ إلا مشيئة محضة ترجح مثلا على مثل بغير مرجح ولا حكمة ولا سبب البتة .
وأما صاحب المنازل - ومن سلك سبيله - فالتوحيد عندهم : نوعان . أحدهما : غير موجود ولا ممكن . وهو توحيد العبد ربه ، فعندهم :
ما وحد الواحد من واحد * إذ كل من وحده جاحد
والثاني : توحيد صحيح . وهو توحيد الرب لنفسه . وكلّ من ينعته سواه فهو ملحد . فهذا توحيد الطوائف . ومن الناس إلا أولئك ؟ واللّه سبحانه أعلم .
وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل اللّه ، ونزلت به كتبه : فوراء ذلك كله وهو نوعان : توحيد في المعرفة والإثبات ، وتوحيد في المطلب والقصد .
فالأول : هو حقيقة ذات الرب تعالى ، وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، وعلوه فوق سماواته على عرشه ، وتكلمه بكتبه ، وتكليمه لمن شاء من عباده ، وإثبات عموم قضائه ، وقدره ، وحكمه .
وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح . كما في أول سورة الحديد ، وسورة طه ، وآخر سورة الحشر ، وأول سورة تنزيل السجدة ، وأول سورة آل عمران ، وسورة الإخلاص بكمالها .
وغير ذلك .
النوع الثاني : مثل ما تضمنته سورة
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
( 1 ) [ الكافرون : 1 ] وقوله :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
[ آل عمران : 64 ] وأول سورة « تنزيل الكتاب » وآخرها ، وأول سورة « يونس » ووسطها وآخرها ، وأول سورة « الأعراف » وآخرها ، وجملة سورة « الأنعام » وغالب سور القرآن ، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد .
بل نقول قولا كليا : إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد ، شاهدة به ، داعية إليه . فإن القرآن : إما خبر عن اللّه ، وأسمائه وصفاته وأفعاله ، فهو التوحيد العلمي الخبري . وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له ، وخلع كل ما يعبد من دونه . فهو التوحيد الإرادي الطلبي . وإما أمر ونهي ، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره ، فهي حقوق التوحيد ومكملاته . وإما خبر عن كرامة اللّه لأهل توحيده وطاعته ، وما فعل بهم في الدنيا ، وما يكرمهم به في الآخرة . فهو جزاء توحيده وإما خبر عن أهل الشرك ، وما فعل بهم في الدنيا من النكال ، وما يحل بهم في العقبى من العذاب . فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد .