تعالى عنها من كمال التوحيد . بل هو أصل التوحيد عندهم . فكأنه قال : التوحيد تنزيه الرب تعالى عن حلول الحوادث . وحقيقة ذلك : أن التوحيد - عندهم - تعطيله عن أفعاله ونفيها بالكلية . وأنه لا يفعل شيئا البتة . فإن إثبات فاعل من غير فعل يقوم به البتة : محال في العقول والفطر ولغات الأمم . ولا يثبت كونه سبحانه ربّا للعالم مع نفي ذلك أبدا . فإن قيام الأفعال به هو معنى الربوبية وحقيقتها ، ونافي هذه المسألة ناف لأصل الربوبية ، جاحد لها رأسا .
وإن أراد تنزيه الرب تعالى عن سمات المحدثين ، وخصائص المخلوقين : فهو حق . ولكنه تقصير في التعبير عن التوحيد . فإن إثبات صفات الكمال أصل التوحيد . ومن تمام هذا الإثبات :
تنزيهه سبحانه عن سمات المحدثين ، وخصائص المخلوقين . وقد استدرك عليه الاتحادي في هذا الحد . فقال : شهود التوحيد يرفع الحدوث أصلا ورأسا . فلا يكون هناك وجودان - قديم ومحدث - فالتوحيد : هو أن لا يرى مع الوجود المطلق سواه . واللّه سبحانه أعلم .
انقسام طوائف التوحيد
وقد تقسمت الطوائف « التوحيد » وسمى كل طائفة باطلهم توحيدا .
فأتباع أرسطو وابن سينا والنصير الطوسي ، عندهم التوحيد : إثبات وجود مجرد عن الماهية والصفة . بل هو وجود مطلق . لا يعرض لشيء من الماهيات ، ولا يقوم به وصف . ولا يتخصص بنعت . بل صفاته كلها سلوب وإضافات . فتوحيد هؤلاء : هو غاية الإلحاد والجحد والكفر .
وفروع هذا التوحيد : إنكار ذات الرب . والقول بقدم الأفلاك . وأن اللّه لا يبعث من في القبور ، وأن النبوة مكتسبة . وأنها حرفة من الحرف ، كالولاية والسياسة ، وأن اللّه لا يعلم عدد الأفلاك ولا الكواكب . ولا يعلم شيئا من الموجودات المعينة البتة ، وأنه لا يقدر على قلب شيء من أعيان العالم ولا شق الأفلاك ولا خرقها . وأنه : لا حلال ولا حرام ، ولا أمر ولا نهي . ولا جنة ولا نار . فهذا توحيد هؤلاء .
وأما الاتحادية ، فالتوحيد عندهم : أن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه ، وأنه سبحانه هو عين وجود كل موجود ، وحقيقته وماهيته ، وأنه آية كل شيء ، وله فيه آية تدل على أنه عينه . وهذا عند محققيهم من خطأ التعبير . بل هو نفس الآية ، ونفس الدليل ، ونفس المستدل ، ونفس المستدل عليه . فالتعدد : بوجود اعتبارات وهمية ، لا بالحقيقة والوجود . فهو عندهم عين الناكح . وعين المنكوح وعين الذابح . وعين المذبوح . وعين الآكل . وعين المأكول . وهذا عندهم : هو السر الذي رمزت إليه هوامس الدهور الأولية ، ورامت إفادته الهداية النبوية ، كما قاله محققهم وعارفهم ابن سبعين .
ومن فروع هذا التوحيد : أن فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان ، عارفون باللّه على الحقيقة . ومن فروعه : أن عبّاد الأصنام على الحق والصواب . وأنهم إنما عبدوا عين اللّه سبحانه لا غيره . ومن فروعه : أن الحق أن لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية .
ولا فرق بين الماء والخمر ، والزنى والنكاح . الكل من عين واحدة . بل هو العين الواحدة .
وإنما المحجوبون عن هذا السر قالوا : هذا حرام وهذا حلال ، نعم هو حرام عليكم . لأنكم في حجاب عن حقيقة هذا التوحيد . ومن فروعه : أن الأنبياء ضيقوا الطريق على الناس ، وبعّدوا عليهم المقصود . والأمر وراء ما جاؤوا به ، ودعوا إليه .