وعبادهم : هم الحلولية ، الذين يقولون : إن اللّه عز وجل يحل بذاته في المخلوقات . وهم طائفتان : طائفة تعم الموجودات بحلوله فيها ، وطائفة تخص به بعضها دون بعض .
قال الأشعري في كتاب « المقالات » : هذه حكاية قول قوم من النساك . وفي الأمة قوم ينتحلون النسك ، يزعمون أنه جائز على اللّه تعالى الحلول في الأجسام . وإذا رأوا شيئا يستحسنونه قالوا : لا ندري ! لعله ربنا .
قلت : وهذه الفرقة طائفتان . إحداهما : تزعم أنه سبحانه يحل في الصورة الجميلة المستحسنة . والثانية : تزعم أنه سبحانه يحل في الكمّل من الناس . وهم الذين تجردت نفوسهم عن الشهوات . واتصفوا بالفضائل ، وتنزهوا عن الرذائل . والنصارى تزعم أنه حل في بدن المسيح وتدرع به . والاتحادية تزعم أنه وجود مطلق اكتسته الماهيات . فهو عين وجودها .
فكل هؤلاء لم يفردوا القديم عن المحدث .
وهذا الإفراد - الذي أشار إليه الجنيد - نوعان . أحدهما : إفراد في الاعتقاد والخبر . وذلك نوعان أيضا . أحدهما : إثبات مباينة الرب تعالى للمخلوقات ، وعلوه فوق عرشه من فوق سبع سماوات . كما نطقت به الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها . وأخبرت به جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم . والثاني : إفراده سبحانه بصفات كماله ، وإثباتها له على وجه التفضيل ، كما أثبتها لنفسه ، وأثبتها له رسله ، منزهة عن التعطيل والتحريف والتمثيل ، والتكييف والتشبيه . بل تثبت له سبحانه حقائق الأسماء والصفات . وتنفي عنه فيها مماثلة المخلوقات ، إثبات بلا تمثيل . وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشّورى : 11 ] .
وفي هذا النوع يكون إفراده سبحانه بعموم قضائه وقدره لجميع المخلوقات - أعيانها وصفاتها وأفعالها - وأنها كلها واقعة بمشيئة وقدرته ، وعلمه وحكمته . فيباين صاحب هذا الإفراد سائر فرق أهل الباطل ؛ من الاتحادية ، والحلولية ، والجهمية الفرعونية - الذين يقولون : ليس فوق السماوات رب يعبد . ولا على العرش إله يصلى له ويسجد - والقدرية - الذين يقولون : إن اللّه لا يقدر على أفعال العباد ، من الملائكة والإنس والجن ، ولا على أفعال سائر الحيوانات - بل يقع في ملكه ما لا يريد . ويريد ما لا يكون . فيريد شيئا لا يكون . ويكون شيء بغير إرادته ومشيئته .
واللّه سبحانه أعلم .
والنوع الثاني من الإفراد : إفراد القديم عن المحدث بالعبادة - من التأله ، والحب ، والخوف ، والرجاء والتعظيم ، والإنابة والتوكل ، والاستعانة وابتغاء الوسيلة إليه - فهذا الإفراد ، وذلك الإفراد : بهما بعثت الرسل ، وأنزلت الكتب . وشرعت الشرائع . ولأجل ذلك خلقت السماوات والأرض . والجنة والنار . وقام سوق الثواب والعقاب . فتفريد القديم سبحانه عن المحدث : في ذاته وصفاته وأفعاله ، وفي إرادته ، وحده ومحبته وخوفه ورجائه ، والتوكل عليه ، والاستعانة والحلف به ، والنذر له ، والتوبة إليه ، والسجود له ، والتعظيم والإجلال ، وتوابع ذلك . ولذلك كانت عبارة الجنيد عن التوحيد عبارة سادة مسددة .
فشيخ الإسلام : إن أراد ما أراد أبو القاسم ، فلا إشكال . وإن أراد أن ينزه اللّه سبحانه عن قيام الأفعال الاختيارية به - التي يسميها نفاة أفعاله : حلول الحوادث - ويجعلون تنزيه الرب