إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الأعراف : 85 ] وقال تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
[ النّحل : 36 ] .
فالتوحيد : مفتاح دعوة الرسل . ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لرسوله معاذ بن جبل رضي اللّه عنه - وقد بعثه إلى اليمن - « إنك تأتي قوما أهل كتاب . فليكن أول ما تدعوهم إليه : عبادة اللّه وحده .
فإذا شهدوا أن لا إله إلا اللّه . وأن محمدا رسول اللّه . فأخبرهم أن اللّه قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة - وذكر الحديث » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه » ولهذا كان الصحيح : أن أول واجب يجب على المكلف :
شهادة أن لا إله إلا اللّه . لا النظر ، ولا القصد إلى النظر ، ولا الشك - كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم .
فالتوحيد : أول ما يدخل به في الإسلام ، وآخر ما يخرج به من الدنيا . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
« من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه : دخل الجنة » فهو أول واجب ، وآخر واجب . فالتوحيد : أول الأمر وآخره .
قوله « التوحيد : تنزيه اللّه عن الحدث » هذا الحد لا يدل على التوحيد الذي بعث اللّه به رسله ، وأنزل به كتبه . وينجو به العبد من النار . ويدخل به الجنة . ويخرج من الشرك ، فإنه مشترك بين جميع الفرق . وكل من أقر بوجود الخالق سبحانه أقر به . فعباد الأصنام ، والمجوس ، والنصارى ، واليهود ، والمشركون - على اختلاف نحلهم - كلهم ينزهون اللّه عن الحدث ، ويثبتون قدمه ، حتى أعظم الطوائف على الإطلاق شركا ، وكفرا ، وإلحادا . وهم طائفة الاتحادية . فإنهم يقولون : هو الوجود المطلق . وهو قديم لم يزل . وهو منزه عن الحدث . ولم تزل المحدثات تكتسي وجوده . تلبسه وتخلعه .
والفلاسفة - الذين هم أبعد الخلق عن الشرائع وما جاءت به الأنبياء - يثبتون واجب الوجود قديما منزها عن الحدث .
والمشركون - عبّاد الأصنام الذين يعبدون معه آلهة أخرى - يثبتون قديما منزها عن الحدث .
فالتنزيه عن الحدث حق . لكن لا يعطي إسلاما ولا إيمانا . ولا يدخل في شرائع الأنبياء .
ولا يخرج من نحل أهل الكفر ومللهم البتة . وهذا القدر لا يخفى على شيخ الإسلام . ومحله من العلم والمعرفة محله .
ومع هذا فقد سئل سيد الطائفة الجنيد عن التوحيد ؟ فقال : هو إفراد القديم عن المحدث .
والجنيد : أشار إلى أنه لا تصح دعوى التوحيد . ولا مقامه ولا حاله ، ولا يكون العبد موحدا إلا إذا أفرد القديم عن المحدث . فإن كثيرا ممن ادعى التوحيد لم يفرده سبحانه من المحدثات . فإن من نفى مباينته لخلقه فوق سماواته على عرشه ، وجعله في كل مكان بذاته « 1 » : لم يفرده عن المحدث . بل جعله حالّا في المحدثات مخالفا لها . موجودا فيها بذاته . وصوفية هؤلاء
هامش
( 1 ) هو دين الصوفية أهل وحدة الوجود . فعقيدتهم : أن ربهم كل شيء . وكل شيء هو . وعليه جمهور الجاهلين . يقولون . إن ربهم في كل مكان .