ورسوله الأذواق والمواجيد حججا وأدلة ، يميز بها بين ما يحبه ويرضاه ، وبين ما يكرهه ويسخطه ؟ ولو كان ذلك كذلك : لاحتج كل مبطل على باطله بالذوق والوجد . كما تجده في كثير من أهل الباطل والإلحاد . فهؤلاء الاتحادية - وهم أكفر الخلق - يحتجون بالذوق والوجد على كفرهم وإلحادهم حتى ليقول قائلهم :
يا صاحبي ، أنت تنهاني وتأمرني * والوجد أصدق نهّاء وأمّار
فإن أطعك وأعص الوجد رحت عم * عن اليقين إلى أوهام أخبار
وعين ما أنت تدعوني إليه إذا * حققته بدل المنهي . يا جار
ويقول هذا القائل : ثبت عندنا - بالكشف والذوق - ما يناقض صريح العقل . وكل معتقد لأمر جازم به ، مستحسن له : يذوق طعمه . فالملحد يذوق طعم الاتحاد والانحلال من الدين .
والرافضي يذوق طعم الرفض ، ومعاداة خيار الخلق . والقدري يذوق طعم إنكار القدر ، ويعجب ممن يثبته . والجبري عكسه والمشرك يذوق طعم الشرك ، حتى إنه ليستبشر إذا ذكر إلهه ومعبوده من دون اللّه . ويشمئز قلبه إذا ذكر اللّه وحده .
وهذا الاحتجاج قد سلكه أرباب السماع المحدث الشيطاني ، الذي هو محض شهوة النفس وهواها . واحتجوا على إباحة هذا السماع بما فيه من الذوق والوجد واللذة . وأنت تجد النصراني له في تثليثه ذوق ، ووجد وحنين ، بحيث لو عرض عليه أشد العذاب لاختاره ، دون أن يفارق تثليثه . لما له فيه من الذوق .
وحينئذ . فيقال : هب أن الأمر كما تقول ، وأن المتكلم المنكر لم يتكلم بلسان الذوق .
فهل يصح أن يكون ذوق الذائق لذلك حجة صحيحة نافعة له بينه وبين اللّه ؟ ولو فرضنا أن هذا المنكر قال : نعم . أنا محجوب عن الوصول إلى ما أنكرته ، غير ذائق له . وأنت ذائق واصل ، فما علامة ما ذقته . ووصلت إليه ؟ وما الدليل عليه ؟ وأنا لا أنكر ذوقك له ووجدك به . ولكن الشأن في المذوق لا في الذوق ، وإذا ذاق المحب العاشق طعم محبته وعشقه لمحبوبه ، ما كان غاية ذلك : إلا أن يدل على وجود محبته وعشقه . لا على كون ذلك نافعا له أو ضارّا ، أو موجبا لكماله أو نقصه . وباللّه التوفيق .
باب التوحيد
قال صاحب المنازل : « ( باب التوحيد ) قال اللّه تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
[ آل عمران : 18 ] التوحيد : تنزيه اللّه عز وجل عن الحدث ، وإنما نطق العلماء بما نطقوا به ، وأشار المحققون بما أشاروا به في هذا الطريق : لقصد تصحيح التوحيد ، وما سواه من حال أو مقام : فكله مصحوب بالعلل » .
قلت « التوحيد » أول دعوة الرسل . وأول منازل الطريق . وأول مقام يقوم فيه السالك إلى اللّه تعالى . قال تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الأعراف : 59 ] وقال هود لقومه :
اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الأعراف : 65 ] وقال صالح لقومه :
اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الأعراف : 73 ] وقال شعيب لقومه :
اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ