تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 919

مساهمون:

ص٩١٩
فرجع الأمر إلى أن غاية المقامات ونهايتها : هو التوبة والعبودية المحضة . لا جمع العين . ولا جمع الوجود . ولا تلاشي الاتصال . فإن قلت : فهذا الجمع إنما يحصل لمن قام بحقيقة التوبة والعبودية . قيل : ليس كذلك ، بل الجمع الذي يحصل لمن قام بذلك : هو جمع الرسل وخلفائهم . وهو جمع الهمة على اللّه سبحانه : محبة وإنابة وتوكلا ، وخوفا ورجاء ومراقبة . وجمع الهمة على تنفيذ أوامر اللّه في الخلق دعوة وجهادا . فهما جمعان : جمع القلب على المعبود وحده . وجمع الهمّ له على محض عبوديته . فإن قلت : فأين شاهد هذين الجمعين ؟ قلت : في القرآن كله ، فخذه من فاتحة الكتاب في قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] وتأمل ما في قوله « إياك » من التخصيص لذاته المقدسة بالعبادة والاستعانة ، وما في قوله « نعبد » الذي هو للحال والاستقبال ، وللعبادة الظاهرة والباطنة : من استيفاء أنواع العبادة ، حالا واستقبالا ، قولا وعملا ، ظاهرا وباطنا . والاستعانة على ذلك به لا بغيره . ولهذا كانت الطريق كلها في هاتين الكلمتين . وهي معنى قولهم « الطريق في : إياك أريد بما تريد » فجمع المراد في واحد ، والإرادة في مراده الذي يحبه ويرضاه . فإلى هذا دعت الرسل من أولهم إلى آخرهم . وإليه شخص العاملون . وتوجه المتوجهون . وكل الأحوال والمقامات - من أولها إلى آخرها - مندرجة في ضمن ذلك ، ومن ثمراته وموجباته . فالعبودية تجمع كمال الحب في كمال الذل ، وكمال الانقياد لمراضي المحبوب وأوامره . فهي الغاية التي ليس فوقها غاية . وإذا لم يكن إلى القيام بحقيقتها - كما يجب - سبيل . فالتوبة هي المعول والآخية . وقد عرفت - بهذا وبغيره - أن الحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية . ولولا تنسم روحها لحال اليأس بين ابن الماء والطين وبين الوصول إلى رب العالمين ، هذا لو قام بما ينبغي عليه أن يقوم به لسيده من حقوقه . فكيف والغفلة والتقصير والتفريط والتهاون ، وإيثار حظوظه في كثير من الأوقات على حقوق ربه لا يكاد يتخلص منها . ولا سيما السالك على درب الفناء والجمع ؟ لأن ربه يطالبه بالعبودية . ونفسه تطالبه بالجمع والفناء . ولو حقق النظر مع نفسه وحاسبها حسابا صحيحا لتبين له أن حظّه يريد ، ولذته يطلب . نعم كل أحد يطلب ذلك . لكن الشأن في الفرق بين من صار حظه نفس مرضاة اللّه ومحابه . أحبت ذلك نفسه أو كرهته . وبين من حظه ما يريد من ربه . فالأول : حظه مراد ربه الديني الشرعي منه . وهذا حظه مراده من ربه . وباللّه التوفيق . فإن قيل : هذا الباب مسلم لأهل الذوق ، وأنتم تتكلمون بلسان العلم لا بلسان الذوق . والذائق واجد ، والواجد لا يمكنه إنكار موجوده . فلا يرجع إلى صاحب العلم . بل يدعوه إلى ذوق ما ذاقه . ويقول :
أقول للّائم المهدي ملامته : * ذق الهوى ، وإن اسطعت الملام لم
قيل : لم ينصف من أحال على الذوق . فإنها حوالة على محكوم عليه لا على حاكم . وعلى مشهود له ، لا على شاهد . وعلى موزون ، لا على ميزان . ويا سبحان اللّه ! هل يدل مجرد ذوق الشيء على حكمه ، وأنه حق أو باطل ؟ وهل جعل اللّه