الرأي . فإنهم أعداء السنن . أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها . فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا » وقال أيضا : « أصحاب الرأي أعداء السنن . أعيتهم أن يعوها ، وتفلتت عليهم أن يرووها ، فاشتغلوا عنها بالرأي » وقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : « أي أرض تقلّني ؟ وأي سماء تظلني ؟ إن قلت في كتاب اللّه برأيي ، أو بما لا أعلم » وقال عمر رضي اللّه عنه : « يا أيها الناس ، إن الرأي كان من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مصيبا . لأن اللّه عز وجل كان يريه . وإنما هو منا الظن والتكلف » وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « من أحدث رأيا ليس في كتاب اللّه ، ولم تمض به سنة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يرد ما هو على ما هو منه إذا لقي اللّه عز وجل » وقال عمر رضي اللّه عنه : « يا أيها الناس ، اتهموا رأيكم على الدين . فقد رأيتني ، وإني لأرد أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برأيي . أجتهد . واللّه ما آلو ذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب ، فقالوا : تكتب باسمك اللهم . فرضي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبيت ، فقال : يا عمر ، تراني قد رضيت وتأبى ؟ » وقال صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الذي رويناه من طريق مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني سليمان بن عتيق عن طلق بن حبيب عن الأحنف بن قيس عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ألا هلك المتنطعون ، ألا هلك المتنطعون . ألا هلك المتنطعون » فإن لم تكن هذه الألفاظ والمعاني التي نجدها في كثير من كلام هؤلاء تنطعا فليس للتنطع حقيقة . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
فإن لم يسمح قلبك بكون « التوبة » غاية مقامات السالكين . ولم تصغ إلى شيء مما ذكرنا ، وأبيت إلا أن يكون تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا . وتلاشي علوم الشواهد في العلم اللدني صرفا . وجمع الوجود وجمع العين : هو نهاية مقامات السالكين إلى اللّه ، بحيث يدخل في ذلك كل سالك . فاعلم أن هذا الجمع المذكور بمجرد لا يعطي عبودية ولا إيمانا ، فضلا عن أن يكون غاية كل نبي وولي وعارف . فإن هذا الجمع يحصل للصديق والزنديق ، وللملاحدة والاتحادية منه حظ كبير . وحوله يدندنون . وهو عندهم نهاية التحقيق . فأين تحقيق العبودية ، والقيام بأعبائها ، واحتمال فرائضها وسننها وأدائها ، والجهاد لأعداء اللّه ، والدعوة إلى اللّه ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتحمل الأذى في اللّه في هذا الجمع ؟ ! وأين معرفة الأسماء والصفات فيه مفصلا ؟ وأين معرفة ما يحبه الرب تعالى ، ويكرهه فيه مفصلا ؟ وأين معرفة خير الخيرين وشر الشرين فيه ؟ وأين العلم بمراتب العبودية ومنازلها فيه ؟ ! .
فالحق إن نهاية السالكين : تكميل مرتبة العبودية صرفا . وهذا مما لا سبيل إليه لبني الطبيعة . وإنما خص بذلك الخليلان - عليهما الصلاة والسلام - من بين سائر الخلق . أما إبراهيم الخليل - صلوات اللّه وسلامه عليه - فإن اللّه عز وجل شهد له بأنه وفّى . وأما سيد ولد آدم - صلوات اللّه وسلامه عليه - فإنه كمل مرتبة العبودية . فاستحق التقديم على سائر الخلائق . فكان صاحب الوسيلة والشفاعة التي يتأخر عنها جميع الرسل ، ويقول هو : « أنا لها » ولهذا ذكره اللّه سبحانه وتعالى بالعبودية في أعلى مقاماته ، وأشرف أحواله . كقوله تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : 1 ] وقوله :
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ
[ الجنّ : 19 ] وقوله :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
[ البقرة : 23 ] وقوله :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ
[ الفرقان : 1 ] ولهذا يقول المسيح ، حين يرغب إليه في الشفاعة « اذهبوا إلى محمد . عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر » فاستحق تلك الرتبة العليا بتكميل عبوديته للّه ، وبكمال مغفرة اللّه له .