تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 917

مساهمون:

ص٩١٧
وعر ، لا سهل فيرتقي ، ولا سمين فينتقل » فيطول عليك الطريق . ويوسع لك العبارة . ويأتي بكل لفظ غريب ومعنى أغرب من اللفظ . فإذا وصلت لم تجد معك حاصلا طائلا . ولكن تسمع جعجعة ولا ترى طحنا . فالمتكلمون في جعاجع الجواهر والأعراض والأكوان والألوان . والجوهر الفرد ، والأحوال والحركة والسكون ، والوجود والماهية والانحياز ، والجهات والنسب والإضافات ، والغيرين والخلافين ، والضدين والنقيضين ، والتماثل والاختلاف . والعرض هل يبقى زمانين ؟ وما هو الزمان والمكان ؟ ويموت أحدهم ولم يعرف الزمان والمكان ، ويعترف بأنه لم يعرف الوجود : هل هو ماهية الشيء ، أو زائد عليها ؟ ويعترف : أنه شاك في وجود الرب : هل هو وجود محض ، أو وجود مقارن للماهية ؟ ويقول : الحق عندي الوقف في هذه المسألة . ويقول أفضلهم - عند نفسه - عند الموت : أخرج من الدنيا وما عرفت إلا مسألة واحدة . وهي أن الممكن يفتقر إلى واجب . ثم قال : الافتقار أمر عدمي . فأموت ولم أعرف شيئا . وهذا أكثر من أن يذكر . كما قال بعض السلف : أكثر الناس شكّا عند الموت : أرباب الكلام . وآخرون أعظم تكلفا من هؤلاء ، وأبعد شيء عن العلم النافع ، وهم : أرباب الهيولى والصورة والاسطقصات ، والأركان والعلل الأربعة ، والجواهر العقلية ، والمفارقات ، والمجردات ، والمقولات العشر ، والكليات الخمس ، والمختلطات والموجهات ، والقضايا المسوّرات ، والقضايا المهملات . فهم أعظم الطوائف تكلفا ، وأقلهم تحصيلا للعلم النافع والعمل الصالح « 1 » . وكذلك المتكلفون من أصحاب الإرادة والسلوك ، وأرباب الحال والمقام ، والوقت والمكان ، والبادي والباذه والوارد ، والخاطر والواقع والقادح واللامع ، والغيبة والحضور ، والمحق والحق ، والسكر ، واللوائح والطوالع ، والعطش والدهش ، والتلبيس ، والتمكين والتلوين ، والاسم والرسم ، والجمع وجمع الجمع ، وجمع الشواهد وجمع الوجود ، والأثر ، والكون ، والبون ، والاتصال والانفصال ، والمسامرة والمشاهدة ، والمعاينة ، والتجلي ، والتخلي ، وأنا بلا أنا ، وأنت بلا أنت ، ونحن بلا نحن ، وهو بلا هو . وكل ذلك أدنى إشارة إلى تكلف هؤلاء الطوائف وتنطعهم . وكذلك كثير من المنتسبين إلى الفقه لهم مثل هذا التكلف وأعظم منه . فكل هؤلاء محجوبون بما لديهم . موقوفون على ما عندهم ، خاضوا - بزعمهم - بحار العلم ، وما ابتلت أقدامهم . وكدوا أفكارهم وأذهانهم وخواطرهم ، وما استنارت بالعلم الموروث عن الرسل قلوبهم وأفهامهم ، فرحين بما عندهم من العلوم راضين بما قيدوا به من الرسوم . فهم في واد ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم في واد . واللّه يعلم أنا لم نتجاوز فيهم القول ، بل قصرنا فيما ينبغي لنا أن نقوله . فذكرنا غيضا من فيض ، وقليلا من كثير . وهؤلاء كلهم داخلون تحت الرأي ، الذي اتفق السلف على ذمه وذم أهله . فهم أهل الرأي حقا ، الذين قال فيهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : « إياكم وأصحاب
هامش
( 1 ) أهل منطق اليونان .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 917 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى