تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 916

مساهمون:

ص٩١٦
فاسمع الآن ما خاطب اللّه به رسوله في آخر الأمر عند النهاية ، وكيف كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في آخر حياته أشد ما كان استغفارا وأكثره ، قال اللّه تعالى :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 117 ) [ التّوبة : 117 ] وهذا أنزله اللّه سبحانه بعد غزوة تبوك . وهي آخر الغزوات التي غزاها صلى اللّه عليه وسلم بنفسه . فجعل اللّه سبحانه « التوبة عليهم » شكرانا لما تقدم من تلك الأعمال . وذلك الجهاد . وقال تعالى في آخر ما أنزل على رسوله :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً
( 2 ) [ النّصر : 1 ، 2 ] وفي الصحيح « أنه صلى اللّه عليه وسلم ما صلى صلاة - بعد ما نزلت عليه هذه السورة - إلا قال فيها : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك . اللهم اغفر لي » وذلك في نهاية أمره صلوات اللّه وسلامه عليه . ولهذا فهم منها علماء الصحابة - كعمر بن الخطاب ، وعبد اللّه بن عباس ، رضي اللّه عنهم - : أنه أجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أعلمه اللّه إياه . فأمره سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله ، وآخر أمره ، على ما كان عليه صلى اللّه عليه وسلم مقاما وحالا . وآخر ما سمع من كلامه عند قدومه على ربه : « اللهم اغفر لي . وألحقني بالرفيق الأعلى » وكان صلى اللّه عليه وسلم يختم كل عمل صالح بالاستغفار . كالصوم ، والصلاة ، والحج ، والجهاد . فإنه كان إذا فرغ منه ، وأشرف على المدينة ، قال « آيبون ، تائبون ، لربنا حامدون » وشرع أن يختم المجلس بالاستغفار ، وإن كان مجلس خير وطاعة ، وشرع أن يختم العبد عمل يومه بالاستغفار . فيقول عند النوم : « أستغفر اللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه » وأن ينام على سيد الاستغفار . والعارف باللّه وأسمائه وصفاته وحقوقه يعلم أن العبد أحوج ما يكون إلى التوبة في نهايته . وأنه أحوج إلى التوبة من الفناء ، والاتصال ، وجمع الشواهد ، وجمع الوجود ، وجمع العين . وكيف يكون ذلك أعلى مقامات السالكين ، وغاية مطلب المقربين ، ولم يأت له ذكر في القرآن ، ولا في السنة . ولا يعرفه إلا النادر من الناس . ولا يتصوره أكثرهم إلا بصعوبة ومشقة ، ولو سمعه أكثر الخلق لما فهموه ، ولا عرفوا المراد منه إلا بترجمة ؟ فأين في كتاب اللّه ، أو سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، أو كلام الصحابة - الذين نسبة معارف من بعدهم إلى معارفهم كنسبة فضلهم ودينهم وجهادهم إليهم - ما يدل على ذلك ، أو يشير إليه ؟ فصار المتأخرون - أرباب هذه الاصطلاحات الحادثة بالألفاظ المجملة ، والمعاني المتشابهة - : أعرف بمقامات السالكين ومنازل السائرين ، وغاياتها من أعلم الخلق باللّه بعد رسله ؟ ! هذا من أعظم الباطل . وهؤلاء في باب الإرادة والطلب والسلوك نظير أرباب الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم في باب العلم والخبر عن اللّه وأسمائه وصفاته . فالطائفتان - بل وكثير من المصنفين في الفقه - من المتكلفين أشد التكلف . وقد قال اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم :
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
( 86 ) [ ص : 86 ] وقال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : « من كان منكم مستنّا فليستنّ بمن قد مات ، فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد : أبرّ هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا . قوم اختارهم اللّه لصحبة نبيه . فاعرفوا لهم حقهم . وتمسكوا بهديهم . فإنهم كانوا على الهدى المستقيم » . فلا تجد هذا التكلف الشديد ، والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصحابة أصلا . وإنما يوجد عند من عدل عن طريقهم . وإذا تأمله العارف وجده « كلحم جمل غث . على رأس جبل