قوله : « وأما جمع العين : فهو تلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق حقا » .
« تقله الإشارة » أي تحمله وتقوم به « والإشارة » تارة تكون باليد والرأس فتكون إيماء ، وتارة تكون بالعين فتكون رمزا ، وتارة تكون باللفظ فيسمى تعريضا . وتارة تكون بالذهن والعقل .
فتضمحل كل هذه الأنواع . وتبطل عند شهود العين في حضرة الجمع . وظهور جلال الذات المقدسة ، والذات : هي الحاملة للصفات والأفعال .
فعرفت من هذا : أنه في الدرجة الأولى يغيب عن جميع العلوم المتعلقة بالأدلة والشواهد بالعلم اللدني . وفي الدرجة الثانية : يغيب عن اتصاله وشهود اتصاله بالوجود . فإن الوجود فوق الاتصال - كما تقدم - وهذا كما يغيب الواجد الذي قد ظفر بموجوده عن شهود وصوله إليه واتصاله به . فتفنيه عين وجوده عن شهود نفسه وصفاتها . وفي الدرجة الثالثة : يضمحل كل ما تحمله الإشارة - إلى ذات ، أو إلى صفة ، أو حال ، أو مقام - في ذات الحق سبحانه ، فلا يبقى هناك ما يشار إليه سواه .
قوله : « والجمع : غاية مقامات السالكين . وهو طرف بحر التوحيد » .
وجه ذلك : أن السالك ما دام في سلوكه فهو في تفرقة الاستدلال ، وطلب الشواهد . فإذا وصل إلى مقام المعرفة ، وصار همه هما واحدا - للّه ، وفي اللّه ، وباللّه - ينزل في منزلة « الجمع » ويشمر لركوب بحر التوحيد الذي يتلاشى فيه كل ما سوى الواحد القهار . فالجمع عنده : نهاية سفر السالكين إلى اللّه .
وهذا موضع غير مسلم له على إطلاقه . وإنما غاية مقام السالكين : التوبة التي هي بدايات منازلهم .
ولعل سمعك ينفر من هذا غاية النفور ، وتقول : هذا كلام من لم يعرف شيئا من طريق القوم . ولا نزل في منازل الطريق . ولعمر اللّه إن كثيرا من الناس ليوافقك على هذا ، ويقول : أين كنا ؟ وأين صرنا ؟ نحن قد قطعنا منزلة « التوبة » وبيننا وبينها مائة مقام . فنرجع من مائة مقام إليها .
ونجعلها غاية مقام السالكين ؟ .
فاسمع الآن وعه ، ولا تعجل بالإنكار . ولا تبادر بالرد . وافتح ذهنك لمعرفة نفسك ، وحقوق ربك ، وما ينبغي له منك ، وما له من الحق عليك . ثم انسب أعمالك وأحوالك وتلك المنازل التي نزلتها والمقامات التي قمت فيها - للّه وباللّه - إلى عظيم جلاله ، وما يستحقه وما هو له أهل . فإن رأيتها وافية بذلك مكافئة له فلا حاجة حينئذ إلى التوبة . والرجوع إليها رجوع عن المقامات العلية ، وانحطاط من علو إلى سفل ، ورجوع من غاية إلى بداية . وما ذلك ببعيد من كثير من المنتسبين إلى هذا الشأن ، المغرورين بأحوالهم ومعارفهم وإشاراتهم . وإن رأيت أن أضعاف أضعاف ما قمت به - من صدق وإخلاص ، وإنابة وتوكل ، وزهد وعبادة - لا يفي بأيسر حق له عليك ، ولا يكافىء نعمة من نعمه عندك . وأن ما يستحقه - لجلاله وعظمته - أعظم وأجل وأكبر مما يقوم به الخلق .
فاعلم الآن : أن التوبة نهاية كل عارف . وغاية كل سالك ، وكما أنها بداية فهي نهاية .
والحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية . بل هي في النهاية في محل الضرورة .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 915
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٩١٥