الأمر شعورا أولا ، ثم تجويزا ، ثم ظنا ، ثم علما ، ثم معرفة ، ثم علم يقين ، ثم حق يقين ، ثم عين يقين ، ثم تضمحل كل مرتبة في التي فوقها ، بحيث يصير الحكم لها دونها . فهذا حق .
وأما دعوى وقوع نوع من العلم بغير سبب من الاستدلال : فليس بصحيح . فإن اللّه سبحانه ربط التعريفات بأسبابها ، كما ربط الكائنات بأسبابها . ولا يحصل لبشر علم إلا بدليل يدله عليه .
وقد أيد اللّه سبحانه رسله بأنواع الأدلة والبراهين التي دلتهم على أن ما جاءهم هو من عند اللّه .
ودلت أممهم على ذلك . وكان معهم أعظم الأدلة والبراهين على أن ما جاءهم هو من عند اللّه .
وكانت براهينهم أدلة وشواهد لهم وللأمم . فالأدلة والشواهد التي كانت لهم ، ومعهم : أعظم الشواهد والأدلة . واللّه تعالى شهد بتصديقهم بما أقام عليه من الشواهد . فكل علم لا يستند إلى دليل فدعوى لا دليل عليها ، وحكم لا برهان عند قائله . وما كان كذلك لم يكن علما ، فضلا عن أن يكون لدنيّا .
فالعلم اللدني : ما قام الدليل الصحيح عليه : أنه جاء من عند اللّه على لسان رسله . وما عداه فلدني من لدن نفس الإنسان . منه بدأ وإليه يعود . وقد انبثق سد العلم اللدني ، ورخص سعره . حتى ادعت كل طائفة أن علمهم لدني . وصار من تكلم في حقائق الإيمان والسلوك وباب الأسماء والصفات بما يسنح له ، ويلقيه شيطانه في قلبه : يزعم أن علمه لدني . فملاحدة الاتحادية ، وزنادقة المنتسبين إلى السلوك يقولون : إن علمهم لدني . وقد صنف في العلم اللدني متهوكو المتكلمين ، وزنادقة المتصوفين ، وجهلة المتفلسفين . وكلّ يزعم أن علمه لدني . وصدقوا وكذبوا فإن « اللدني » منسوب إلى « لدن » بمعنى « عند » فكأنهم قالوا : العلم العندي . ولكن الشأن فيمن هذا العلم من عنده ومن لدنه . وقد ذم اللّه تعالى بأبلغ الذم من ينسب إليه ما ليس من عنده ، كما قال تعالى :
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ آل عمران : 78 ] وقال تعالى :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ البقرة : 79 ] وقال تعالى :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ
[ الأنعام : 93 ] فكل من قال : هذا العلم من عند اللّه - وهو كاذب في هذه النسبة - فله نصيب وافر من هذا الذم . وهذا في القرآن كثير . يذم اللّه سبحانه من أضاف إليه ما لا علم له به ، ومن قال عليه ما لا يعلم . ولهذا رتب سبحانه المحرمات أربع مراتب . وجعل أشدها : القول عليه بلا علم . فجعله آخر مراتب المحرمات التي لا تباح بحال . بل هي محرمة في كل ملة ، وعلى لسان كل رسول .
فالقائل « إن هذا علم لدني » لما لا يعلم أنه من عند اللّه ، ولا قام عليه برهان من اللّه أنه من عنده :
كاذب مفتر على اللّه . وهو من أظلم الظالمين ، وأكذب الكاذبين .
قوله : « وأما جمع الوجود : فهو تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا » .
« تلاشي نهاية الاتصال » هو فناء العبد في الشهود . و « نهاية الاتصال » هو ما ذكره في الدرجة الثالثة من باب الاتصال « أنه لا يدرك منه نعت ولا مقدار إلا اسم معار . ولمح إليه مشار » فحقيقة الجمع في هذه الدرجة : تلاشي ذلك في عين الوجود ، أي في حقيقته . ويريد بالوجود :
ما أشار إليه في الدرجة الثانية من « باب الوجود » وهو قوله « وجود الحق : وجود عين ، منقطعا عن مساغ الإشارة » فتضمحل نهاية الاتصال في هذا الوجود محقا أي ذوبانا وفناء .