تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 913

مساهمون:

ص٩١٣
فيرجع إلى الأصل . ويحكم العلم على الحال . فإذا صحا علم أنه غالط مخطىء . وفي مثل هذه الحال قال أبو يزيد : سبحاني . وما في الجبة إلا اللّه ، ونحو ذلك . فأخذ قوم هذه الشطحات فجعلوها غاية يجرون إليها . ويعملون عليها . فالشيخ شرط : أنه لا يثبت شهود الجمع إلا لمن تمكن في شهود طور البقاء . قوله : « والتنافي من الإحساس بالاعتلال » . « الاعتلال » عندهم : هو التفرقة في الأسباب ، والوقوف مع الربط الواقع بين المسببات وأسبابها . وذلك عقد لا يحله إلا شهود الجمع . ولا يخفى ما في هذه العبارة من العجم والتعقيد . وكذلك قوله « والتنافي من شهود شهودها » ومراده : أن ينتفي عنه شهود هذه الأشياء التي ذكرها كلها . وأن يفنى عن هذا الشهود . فإنه إن لم يفن عنها كلها ، وعن شهود فنائه ، وإلا فهو معها . لأنه يحس بها . ولا يقع الإحساس إلا بما هو موجود عند صاحب الإحساس . فإذا غاب عن شهودها ، ثم عن شهود الشهود : فقد استقر قدمه في حضرة الجمع . وقد تقدم غير مرة : أن هذا ليس بكمال . ولا مقصود في نفسه . ولا يعطي كمالا . ولا فيه معرفة ولا عبودية . ولا دعت إليه الرسل البتة ، ولا أشار إليه القرآن ، ولا وصفه أهل الطريق المتقدمون . وغايته : أن يشبه صاحبه بالغائب عن عقله وحسه وإدراكه . وغايته : أن يكون عارضا من عوارض الطريق ليس بلازم ، فضلا عن أن يكون غاية . ولما جعله من جعله غاية مطلوبة ، يشمر إليها السالكون : دخل بسبب ذلك من الفساد على من شمر إليه ما يعلمه الراسخون في العلم من أئمة هذا الشأن . واللّه المستعان . والعبودية المطلوبة من العبد بمعزل عن ذلك . وباللّه التوفيق . قوله : « وهو على ثلاث درجات : جمع علم . ثم جمع وجود . ثم جمع عين . فأما جمع العلم : فهو تلاشي علوم الشواهد في العلم اللدني صرفا . وأما جمع الوجود : فهو تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا . وأما جمع العين : فهو تلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق حقا » . « علوم الشواهد » هي ما حصلت من الاستدلال بالأثر على المؤثر ، وبالمصنوع على الصانع فالمصنوعات شواهد وأدلة وآثار . وعلوم الشواهد : هي المستندة إلى الشواهد الحاصلة عنها . و « العلم اللدني » هو العلم الذي يقذفه اللّه في القلب إلهاما بلا سبب من العبد . ولا استدلال . ولهذا سمي لدنيّا . قال اللّه تعالى :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
[ الكهف : 65 ] واللّه تعالى هو الذي علم العباد ما لا يعلمون . كما قال تعالى :
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
( 5 ) [ العلق : 5 ] ولكن هذا العلم أخص من غيره . ولذلك أضافه إليه سبحانه ، كبيته وناقته وبلده وعبده ، ونحو ذلك . فتضمحل العلوم المستندة إلى الأدلة والشواهد في العلم اللدنّي ، الحاصل بلا سبب ولا استدلال . هذا مضمون كلامه . ونحن نقول : إن العلم الحاصل بالشواهد والأدلة : هو العلم الحقيقي . وأما ما يدعى حصوله بغير شاهد ولا دليل ، فلا وثوق به ، وليس بعلم . نعم قد يقوى العلم الحاصل بالشواهد ويتزايد ، بحيث يصير المعلوم كالمشهود ، والغائب كالمعاين ، وعلم اليقين كعين اليقين . فيكون
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 913 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى