تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 912

مساهمون:

ص٩١٢
دفع مضرة . فإن الماء والطين منفعل لا فاعل . وعاجز مهين لا قوي متين . كما قال تعالى :
فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ
( 11 ) [ الصّافات : 11 ] وأخبر : أنه خلقنا
مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
[ السّجدة : 8 ] . فحقيق بابن الماء والطين : أن يشخص عنه القلب . لا إليه ، وأن يعول على خالقه وحده لا عليه وأن يجعل رغبته كلها فيه وفيما لديه . والمعنى الثاني - الذي يحتمله كلامه - : أن يشخص عن أحكام الطبيعة السفلية الناشئة من الماء والطين ، وعن متعلقاتها : إلى أحكام الأرواح العلوية . ولما كان اللّه سبحانه وتعالى - بحكمته وعجيب صنعه - قد جعل الإنسان مركبا من جوهرين : جوهر طبيعي كثيف . وهو الجسم . وجوهر روحاني لطيف ، وهو الروح . ومن شأن كل شكل : أن يميل إلى شكله . ومن طبع كل مثل : أن ينجذب إلى مثله - صار الإنسان ينجذب إلى العالم الطبيعي بما فيه من الكثافة ، وإلى العالم الروحاني بما فيه من اللطافة . فصار في الإنسان قوتان متضادتان إحداهما : تجذبه سفلا ، والثانية : تجذبه علوا . فمن شخص عن طبيعة الماء والطين ، إلى محل الأرواح العلوية ، التي ليست من هذا العالم السفلي : كان من أهل هذا الجمع المحمود ، الذي جمعه من متفرقات النفس والطبع . قوله : « بعد صحة التمكين ، والبراءة من التلوين ، والخلاص من شهود الثنوية » معناه : أن العبد لا يمكنه أن يشخص عن الماء والطين إلا بعد صحة تمكنه في المعرفة ، وبراءته من التلوين . فشرط الشيخ حصول التمكين له ، وانتفاء التلوين عنه . وخلاصه من شهود الثنوية . فالتلوين : تلونه لإجابة دواعي الطبع والنفس « 1 » . وشهود الثنوية : عبارة مجملة محتملة . وقد حملها الملحد على أنه يشهد عبدا وربا ، وقديما وحديثا ، وخالقا ومخلوقا ؛ والتوحيد المحض : أن يتخلص من ذلك بشهوده وحدة الوجود . ومتى شهد تعدد الوجود كان ثنويا عند الملاحدة . وأما الموحدون : فالثنوية التي يجب التخلص منها : أن يتخذ إلهين اثنين . فيشهد مع اللّه إلها آخر . وأما كونه يشهد مع اللّه موجودا غيره ، هو موجده وخالقه وفاطره : فليس بثنوية . بل هو توحيد خالص ، ولا يتم له التوحيد إلا بهذا الشهود ليصح له نفي الإلهية عنه . وإلا فكيف ينفي الآلهة عما لا يشهده ويشهد نفيها عنه ؟ . والمقصود : أن صاحب الجمع إذا شهد ربّا وعبدا ، وخالقا ومخلوقات ، وآمرا وفاعلا منفذا ، ومحركا ومتحركا ، ووليا وعدوا : كان ذلك موجب عقد التوحيد . و « صحة التمكين » هي حفظ الأصل الذي هو بقاء شهود الرسوم في مرتبتها . وكأنه نبه بذلك على الاحتراز من القوم الذي تخطفهم لوائح شهود الجمع ، وتمكنهم ضعيف . فينكرون صور الخلق ، حتى يقول أحدهم : أنا نور من نور ربي ، لما يغلب على أحدهم من شهود الجمع ، وعدم تمكنه في البقاء . وهذا قد يعرض للصادق أحيانا . فيعلم أنه غالط .
هامش
( 1 ) يضم هذا إلى قول الجنيد - فيما مضى ، وقد سئل كيف نعرف ربنا ؟ - فقال : لون الماء لون الماء لون الإناء . ليعلم أن التلوين عند الصوفية معناه : شهود عبد بلون العبودية وصفاتها . فمن شهد ذلك كان ثنويا .