والتنافي من شهود شهودها . وهو على ثلاث درجات : جمع علم . ثم جمع وجود . ثم جمع عين »
قوله : « الجمع : ما أسقط التفرقة » هذا حدّ غير محصل للفرق بين ما يحمد وما يذم من الجمع والتفرقة . فإن « الجمع » ينقسم إلى صحيح وباطل . و « التفرقة » تنقسم إلى محمود ومذموم .
وكل منهما لا يحمد مطلقا . ولا يذم مطلقا . فيراد بالجمع : جمع الوجود . وهو جمع الملاحدة القائلين بوحدة الوجود . ويريدون بالتفرقة : الفرق بين القديم والمحدث ، وبين الخالق والمخلوق . وأصحابه يقولون : الجمع ما أسقط هذه التفرقة . ويقولون عن أنفسهم : إنهم أصحاب جمع الوجود . ولهذا صرح بما ذكرنا محققو الملاحدة . فقالوا : التفرقة اعتبار الفرق بين وجود ووجود . فإذا زال الفرق في نظر المحقق حصل له حقيقة الجمع .
ويراد بالجمع : الجمع بين الإرادة والطلب على المراد المطلوب وحده ، وبالتفرقة : تفرقة الهمة والإرادة . وهذا هو الجمع الصحيح ، والتفرقة المذمومة . فحد الجمع الصحيح : ما أزال هذه التفرقة . وأما جمع يزيل التفرقة بين الرب والعبد ، والخالق والمخلوق ، والقديم والمحدث :
فأبطل الباطل . وتلك التفرقة هي الحق . وأهل هذه التفرقة : هم أهل الإسلام والإيمان والإحسان ، كما أن أهل ذلك الجمع : هم أهل الإلحاد والكفر والوثنية .
ويراد بالجمع : جمع الشهود . وبالتفرقة : ما ينافي ذلك . فإذا زال الفرق في نظر المشاهد ، وهو مثبت للفرق : كان ذلك جمعا في شهوده خاصة ، مع تحققه بالفرق .
فإذا عرف هذا ، فالجمع الصحيح : ما أسقط التفرقة الطبيعية النفسية . وهي التفرقة المذمومة . وأما التفرقة الأمرية الشرعية ، بين المأمور والمحظور ، والمحبوب والمكروه ، فلا يحمد جمع أسقطها ، بل يذم كل الذم . وبمثل هذه المجملات دخل على أصحاب السلوك والإرادة ما دخل .
قوله : « وقطع الإشارة » هو من جنس قوله : « ما أسقط التفرقة » قال أهل الإلحاد : لما كانت الإشارة نسبة بين شيئين - مشير ، ومشار إليه - كانت مستلزمة للثنوية . فإذا جاءت الوحدة جمعية ، وذهبت الثنوية : انقطعت الإشارة .
وقال أهل التوحيد : إنما تنقطع الإشارة عند كمال الجمعية على اللّه ، فلا يبقى في صاحب هذه الجمعية موضع للإشارة ، لأن جمعيته على المطلوب المراد غيبته عن الإشارة إليه . وأيضا فإن جمعيته أفنته عن نفسه وإشارته . ففي مقام الفناء تنقطع الإشارة ، لأنها من أحكام البشرية .
قوله : « وشخص عن الماء والطين » هذا يحتمل معنيين :
أحدهما : أن يريد بالماء والطين بني آدم . ونفسه من جملتهم . أي شخص عن النظر إلى الناس والالتفات إليهم ، وتعلق القلب بهم بالكلية . وخصهم بالذكر لأن أكثر العلائق ، وأصعبها وأشدها قطعا لصاحبها : هي علائقهم . فإذا شخص قلبه عنهم بالكلية ، فعن غيرهم ممن هو أبعد إليه منهم أولى وأحرى .
وفي ذكر « الماء والطين » تقرير لهذا الشخوص عنهم . وتنبيه على تعينه ووجوبه . فإن المخلوق من الماء والطين بشر ضعيف . لا يملك لنفسه - ولا لمن تعلق به - جلب منفعة ، ولا
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 911
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٩١١