تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 910

مساهمون:

ص٩١٠
غيرة وستر . وحقيقة الأمر ما ذكرناه : أن الصادق بحسب دواعي صدقه وحاله مع اللّه ، وحكم وقته وما أقيم فيه . قوله « وأما تفريد الإشارة عن الحق : فانبساط ببسط ظاهر . يتضمن قبضا خالصا . للهداية إلى الحق ، والدعوة إليه » يريد : أن صاحب هذه « الإشارة » منبسط بسطا ظاهرا ، مع أن باطنه مجموع على اللّه . وهو القبض الخالص الذي أشار إليه . فهو في باطنه مقبوض . لما هو فيه من جمعيته على اللّه . وفي ظاهره مبسوط مع الخلق بسطا ظاهرا لقوته ، قصدا لهدايتهم إلى الحق سبحانه ، ودعوتهم إليه . وحاصل الأمر : أنه مبسوط بظاهره لدعوة الخلق إلى اللّه ، ومقبوض بباطنه عما سوى اللّه . فظاهره منبسط مع الخلق ، وباطنه منقبض عنهم ، لقوة تعلقه باللّه واشتغاله به عنهم . فهو كائن بائن ، داخل خارج ، متصل منفصل . قال اللّه تعالى :
وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 87 ، 88 ] فأمره بتجريد الدعوة إليه ، وتجريد عبوديته وحده . وهذان هما أصلا الدين . وعليهما مداره . وباللّه التوفيق .

باب الجمع

قال : « باب الجمع : قال اللّه تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] » . قلت : اعتقد جماعة أن المراد بالآية : سلب فعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم عنه ، وإضافته إلى الرب تعالى . وجعلوا ذلك أصلا في الجبر ، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد . وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده . وهذا غلط منهم في فهم القرآن . فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال . فيقال : ما صليت إذ صليت ، وما صمت إذ صمت ، وما ضحيت إذ ضحيت ، ولا فعلت كل فعل إذ فعلته ، ولكن اللّه فعل ذلك . فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد - طاعتهم ومعاصيهم - إذ لا فرق . فإن خصوه بالرسول صلى اللّه عليه وسلم وحده وأفعاله جميعها ، أو رميه وحده : تناقضوا . فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية . وبعد : فهذه الآية نزلت في شأن رميه صلى اللّه عليه وسلم المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء . فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته . ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ . فكان منه صلى اللّه عليه وسلم مبدأ الرمي . وهو الحذف . ومن اللّه سبحانه وتعالى : نهايته . وهو الإيصال . فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه . ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته . ونظير هذا : قوله في الآية نفسها
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
[ الأنفال : 17 ] ثم قال :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] فأخبره : أنه هو وحده هو الذي تفرد بقتلهم . ولم يكن ذلك بكم أنتم ، كما تفرد بإيصال الحصى إلى أعينهم . ولم يكن ذلك من رسوله . ولكن وجه الإشارة بالآية : أنه سبحانه أقام أسبابا ظاهرة ، كدفع المشركين ، وتولي دفنهم ، وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس . فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافا إليه وبه . وهو خير الناصرين . قال : « الجمع : ما أسقط التفرقة . وقطع الإشارة . وشخص عن الماء والطين . بعد صحة التمكين ، والبراءة من التلوين . والخلاص من شهود الثنوية . والتنافي من إحساس الاعتلال ،