تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 909

مساهمون:

ص٩٠٩
وقيد « تفريد القصد » بالعطش . و « تفريد المحبة » بالتلف . و « تفريد الشهود » بالاتصال . و « العطش - كما قال - هو غلبة ولوع بمأمول » و « التلف : هو المحبة المهلكة » و « الاتصال : سقوط الأغيار عن درجة الاعتبار » فهذا حكم التفريد في الدرجة الأولى . قال : « وأما تفريد الإشارة بالحق : فعلى ثلاث درجات . تفريد الإشارة بالافتخار بوحا ، وتفريد الإشارة بالسلوك مطالعة ، وتفريد الإشارة بالقبض غيرة » . ذكر أيضا في هذه الدرجة ثلاثة أمور : الافتخار . والسلوك . والقبض . فالافتخار نوعان : مذموم ، ومحمود . فالمذموم : إظهار مرتبته على أبناء جنسه ترفعا عليهم . وهذا غير مراد . والمحمود : إظهار الأحوال السنية ، والمقامات الشريفة ، بوحا بها . أي تصريحا وإعلانا ، لا على وجه الفخر . بل على وجه تعظيم النعمة . والفرح بها ، وذكرها ونشرها ، والتحدث بها ، والترغيب فيها وغير ذلك من المقاصد في إظهارها . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » و « أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر » و « أنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر » وقال سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه : « أنا أول من رمى بسهم في سبيل اللّه » وقال أبو ذر رضي اللّه عنه « لقد أتى عليّ كذا وكذا وإني لثالث الإسلام » وقال علي رضي اللّه عنه : « إنه لعهد النبي الأمي إليّ : أنه لا يحبني إلا مؤمن ، ولا يبغضني إلا منافق » وقال عمر رضي اللّه عنه : « وافقت ربي في ثلاث » وقال علي رضي اللّه عنه - وأشار إلى صدره - : « إن ها هنا علما جمّا . لو أصبت له حملة » وقال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : « أخذت من في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبعين سورة . وإن زيدا ليلعب مع الغلمان » وقال أيضا : « ما من كتاب اللّه آية إلا وأنا أعلم أين نزلت ؟ وماذا أريد بها ؟ ولو أعلم أن أحدا أعلم بكتاب اللّه مني تبلغه الإبل لرحلت إليه » وقال بعض الصحابة : « لأن تختلف فيّ الأسنة أحب إليّ من أن أحدث نفسي في الصلاة بغير ما أنا فيه » وهذا أكثر من أن يذكر . والصادق تختلف عليه الأحوال . فتارة يبوح بما أولاه ربه ، ومنّ به عليه . لا يطيق كتمان ذلك . وتارة يخفيه ويكتمه ، لا يطيق إظهاره . فتارة يقبض ، وتارة يبسط وينشط ، وتارة يجد لسانا قائلا لا يسكت . وتارة لا يقدر أن ينطق بكلمة . وتارة تجده ضاحكا مسرورا . وتارة باكيا حزينا . وتارة يجد جمعية لا سبيل للتفرقة عليها . وتارة تفرقة لا جمعية معها . وتارة يقول : وا طرباه ! وأخرى يقول : وا حرباه ! بخلاف من هو على لون واحد لا يوجد على غيره . فهذا لون والصادق لون . قوله : « وتفريد الإشارة بالسلوك مطالعة » أي تجريد الإشارة إلى المطلوب بالسلوك اطلاعا على حقائقه . قوله : « وتفريد الإشارة بالقبض غيرة » أي تخليص الإشارة إلى المطلوب بالقبض غيرة عليه . والمقصود : أنه تارة يفرد إشارته بما أولاه الحق ، لا يكتمه ولا يخفيه . وتارة يفرد إشارته بحقائق السلوك اطّلاعا عليها ، وإطلاعا لغيره . وتارة يشير بالقبض غيرة وتسترا . فيشير بالافتخار تارة ، وبالاطلاع تارة ، وبالقبض تارة . فافتخاره بالمنعم ونعمه ، لا بنفسه وصفته . واطلاعه لغيره : تعليم وإرشاد وتبصير . وقبضه