العارفين ، الفقهاء في معرفة الطريق والمقصود . وها هنا انقطع من انقطع واتصل من اتصل . ولا إله إلا اللّه ! كم من تنوع في الإشارة ، وبالغ ودقق ، وحقق ، ولم تعد إشارته نفسه ، وهو لا يعلم .
أشار بنفسه وهو يظن أنه أشار بربه ، وإن فلتات لسانه ورائحة كلامه لتنادي عليه : أنا ، وبي ، وعني .
فإذا خلصت الإشارة - باللّه ، وعن اللّه - من جميع الشوائب ، كانت متصلة باللّه ، خالصة له ، مقبولة لديه ، راضيا بها . وعلى هذا كان حرص السابقين الأولين ، لا على كثرة العمل ، ولا على تدقيق الإشارة ، كما قال بعض الصحابة : « لو أعلم أن اللّه قبل مني عملا واحدا لم يكن غائب أحبّ إليّ من الموت » وليس هذا على معنى : أن أعماله كانت لغير اللّه ، أو على غير سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . فشأن القوم كان أجل من ذلك ، ولكن على تخليص الأعمال من شوائب النفوس ، ومشاركات الحظوظ ، فكانوا يخافون - لكمال علمهم باللّه وحقوقه عليهم - أن أعمالهم لم تخلص من شوائب حظوظهم ، ومشاركات أنفسهم . بحيث تكون متمحصة للّه وباللّه ، ومأخوذة عن اللّه .
فمن وصل له عمل واحد على هذا الوجه : وصل إلى اللّه . واللّه تعالى شكور ، إذا رضي من العبد عملا من أعماله نجاه ، وأسعده به . وثمّره له . وبارك له فيه . وأوصله به إليه . وأدخله به عليه . ولم يقطعه به عنه . فما أكثر المنقطعين بالإشارة عن المشار إليه ، وبالعبادة عن المعبود ، وبالمعرفة عن المعروف فتكون الإشارات والمعارف قبلة قلبه ، وغاية قصده . فيتغذّى بها . ويجد من الأنس بها والذوق والوجد ما يسكن قلبه إليه ، ويطمئن به ، ويظن أنه الغاية المطلوبة . فيصير قلبه محبوسا عن ربه وهو لا يشعر . وتصير نفسه راتعة في رياض العلوم والمعارف واجدة لها . وهو يظن أنه قد وصل واتصل ، وعلى منزل الوجود حصل . فهو دقيق الإشارة . لطيف العبارة . فقيه في مسائل السلوك . وبينه وبين اللّه حجاب لم ينكشف عنه . وإنما يرتفع هذا الحجاب بحال التجريد والتفريد ، لا بمجرد علم ذلك . فبتفريد المعبود المطلوب المقصود عن غيره ، وبتجريد القصد والطلب ، والإرادة والمحبة ، والخوف والرجاء والإنابة والتوكل عليه واللجإ إليه : عن الحظوظ وإرادات النفس . فينكشف عن القلب حجابه . ويزول عنه ظلامه . ويطلع فيه فجر التوحيد . وتبزغ فيه شمس اليقين . وتستنير له الطريق الغراء ، والمحجة البيضاء التي ليلها كنهارها .
درجات تفريد الإشارة إلى الحق
قال : « فأما تفريد الإشارة إلى الحق : فعلى ثلاث درجات . تفريد القصد عطشا . ثم تفريد المحبة تلفا . ثم تفريد الشهود اتصالا » .
ذكر في هذه الدرجة ثلاثة أمور : تفريد القصد ، والمحبة ، والشهود . فالقصد بداية .
والشهود نهاية والمحبة واسطة . فيفرد قصده وحبه وشهوده . وذلك يتضمن إفراد مطلوبه ومحبوبه ومشهوده . فيكون فردا لفرد . فلا ينقسم طلبه ، ولا حبه ، ولا شهوده . ولا ينقسم مطلوبه ومحبوبه ومشهوده . فتفريد الطلب والمحبة والشهود : صدق . وتفريد المطلوب والمحبوب والمشهود :
إخلاص .
فالصدق والإخلاص : هو أن تبذل كلك لمحبوبك وحده . ثم تحتقر ما بذلت في جنب ما يستحقه . ثم لا تنظر إلى بذلك .