تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 907

مساهمون:

ص٩٠٧
من آثار الرسوم . و « حقيقة الجمع » تمحو الرسوم . فصاحب هذه الدرجة أبدا في تجرد وتجريد . و « الدرك » هو الإدراك في هذا الموضع . ويحتمل أن يراد به : أن درجة العلم أسفل من درجة عين الجمع . فيجرد الجمع عن الدرجة التي هي أسفل منه . وقد اعترفوا بأن هذا حال المولّهين في الاستغراق في الجمع . ولعمر اللّه إن ذلك ليس بكمال . وهو أصل من أصول الانحلال . فإنه إذا تجرد من العلم وما يوجبه : فقد خرج من النور الذي يكشف له الحقائق ، ويميز له بين الحق والباطل ، والصحيح والفاسد . فالكشف وشهود الحقيقة إذا تجرد عن العلم ، فقد ينسلخ صاحبه عن أصل الإيمان وهو لا يشعر . وأحسن من هذا أن يقال : هو تجريد الجمع عن الوقوف مع مجرد العلم . فلا يرضى بالعلم عن مقام جمعية حاله وقلبه وهمه على اللّه . بل يرتقي من درجة العلم إلى درجة الجمع مصاحبا للعلم ، غير مفارق لأحكامه ، ولا جاعل له غاية يقف عندها . قوله : « الدرجة الثالثة : تجريد الخلاص من شهود التجريد » . يعني : أن لا يشهد تجريده لمن يجرده من صفاته وأفعاله . وصاحب هذه الدرجة دائما قد فني عما سوى الحق تعالى ، فكيف يتسع مع ذلك لشهود وصفه وفعله ؟ بل أفناه تجريده عن شهود تجريده .

باب التفريد

قال : صاحب المنازل « باب التفريد قال اللّه تعالى :
أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
[ النّور : 25 ] التفريد : اسم لتخليص الإشارة إلى الحق . ثم بالحق . ثم عن الحق » . الشيخ جعل « التفريد » عين « التجريد » وجعله بعده . والفرق بينهما : أن « التجريد » انقطاع عن الأغيار . و « التفريد » إفراد الحق بالإيثار . فالتفريد متعلق بالمعبود . والتجريد متعلق بالعبودية : وجعله ثلاث درجات : تخليص الإشارة إلى الحق ، ثم به ، ثم عنه . فها هنا أمران . أحدهما : تخليص الإشارة . والثاني : متعلق الإشارة . فأما تخليصها : فهو تجريدها مما يمازجها ويخالطها . وأما متعلقها ، فثلاثة أمور : الإشارة إلى الحق ، وبه ، وعنه . فالإشارة إليه : غاية ، والإشارة به : وجود . والإشارة عنه : إخبار وتبليغ . فمن خلصت إشارته إلى الحق كان من المخلصين . ومن كانت إشارته به : فهو من الصادقين . ومن كانت إشارته عنه : فهو من المبلغين . ومن اجتمعت له الثلاثة : فهو من الأئمة العارفين . فالكمال : أن تشير إليه به عنه . فتخليص الإشارة إليه : هو حقيقة الإخلاص . وتخليص الإشارة به : هو حقيقة الصدق . وتخليص الإشارة عنه : هو حقيقة المتابعة . وذلك هو محض الصديقية . فمتى اجتمعت هذه الثلاثة في العبد ، فقد خلعت عليه خلعة الصديقية . فما كل من أشار إلى اللّه أشار به . ولا كل من أشار به أشار عنه . والرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين - هم الذين كملوا المراتب الثلاثة . فخلصت إشاراتهم إلى اللّه وبه وعنه من كل شائبة . ثم الأمثل فالأمثل على منهاجهم . وما أكثر ما تشبه الإشارة إلى اللّه وبه بالإشارة إلى النفس والإشارة بها . فيشير إلى نفسه بنفسه ، ظانا أن إشارته باللّه وإلى اللّه . ولا يميز بين هذا وهذا إلا خواص