قلبك ما سواه . وادخل عليه . وأول قدم يدخل بها في الإسلام : أن يخلع الأنداد والأوثان التي تعبد من دون اللّه . ويتجرد منها . فكأنه قيل له : اطرح عنك ما لا يكون صالحا للوطء به على هذا البساط . أو لأن ذلك الوادي لما كان من أشرف الأودية وأطهرها - ولذلك اختاره اللّه سبحانه على غيره من الأودية لتكليم نبيه وكليمه - فأمره سبحانه أن يعظم ذلك الوادي بالوطء فيه حافيا ، كما يوطأ بساط الملك ، وصار ذلك سنة في بني إسرائيل في مواضع صلواتهم وكنائسهم .
وشريعتنا جاءت بخلاف ذلك . فصلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في النعلين ، وأمر أصحابه أن يصلوا في نعالهم .
وقال : « إن اليهود والنصارى لا يصلون في نعالهم فخالفوهم » « 1 » فالسنة في ديننا : الصلاة في النعال . نص عليه الإمام أحمد ، وقيل له : أيصلي الرجل في نعليه ؟ فقال : إي واللّه .
قوله : « التجريد : الانخلاع عن شهود الشواهد » و « الشواهد » عنده : هي ما سوى الحق سبحانه . و « الانخلاع عن الشهود » هو غيبة الشاهد بمشهوده عن شهوده . وذلك يكون في مقام المعاينة : فإنه لا ينخلع عن شهود الشواهد إلا إذا كان معاينا للمشهود .
قوله : « الدرجة الأولى : تجريد عين الكشف عن كسب اليقين » أي تجريد حقيقة الكشف عن كسب اليقين ، أي يعزل ما اكتسبه من اليقين العلمي بالكشف الحقيقي . فتجرد الكشف : أن يخلصه ويعريه عن الالتفات إلى اليقين . فيعزل ما اكتسبه من اليقين العلمي بالكشف الحقيقي .
قال : « الدرجة الثانية : تجريد عين الجمع عن درك العلم » .
« عين الجمع » هي حقيقة الجمع . و « تجريده » هو أن لا يشهد للعلم فيها آثارا . فإن العلم
هامش
( 1 ) كذا في النسخ كلها وهو غلط ظاهر . ومن هذا الكتاب : عدم تخريج أحاديثه . وقد أورد الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( 1 / 415 ) هذا الحديث - مستدركا به على ابن دقيق العيد الذي جعل خلع النعلين في الصلاة أولى . فقال : قد روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعا « خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم » - فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة اه .
ولفظ الحديث الذي أورده المصنف لم أره في كتب الحديث ولا كتب الفقه . والمعروف : أن اليهود هم الذين يخلعون نعالهم في الصلاة لا النصارى . فإنهم يصلون بنعالهم . والتحقيق في المسألة ، والذي يدل عليه مجموع ما ورد فيها : أن الأصل والغالب من فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم : كأن الصلاة في النعلين ، بدليل استنكاره خلع أصحابه نعالهم . فقد صح من حديث أبي سعيد - عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة والبخاري تعليقا - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ألقى نعليه في أثناء الصلاة . فألقوا نعالهم . فسألهم بعد الصلاة : ما حملكم على إلقاء نعالكم ؟ قالوا : رأيناك ألقيت نعليك ، فألقينا نعالنا . فأخبرهم أن سبب إلقائه : أن جبريل أخبره أن فيهما قذرا ، وقال : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر . فإن رأى في نعليه قذرا - أو أذى - فليمسحه . وليصل فيهما » وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثل هذه الواقعة ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم قال بعد الصلاة « من يشاء أن يصلي في نعليه فليفعل » قال العرافي : مرسل صحيح الإسناد . وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - عند أبي داود وابن ماجة « رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي حافيا ومنتعلا » وقد حقق الشوكاني أن حديثي أبي سعيد وشداد بن أوس يدلان على وجوب الصلاة بالنعال . وحديث عمرو بن شعيب ومرسل ابن ليلى يدلان على صرف تلك الدلالة إلى الندب . وهذه سنة جهلها الجمهور من الناس ، حتى أصبحت عندهم أمرا منكرا جدا . وليس هذا منهم بغريب . فقد عمت الجاهلية حتى أصبح الشرك توحيدا ، والكفر إسلاما . وطاعة الرسول أمرا مستنكرا .