قوله : « منقطعا عن مساغ الإشارة » لما كانت الدرجة الأولى وجود علم ، وهذه وجود عيان : قام العيان فيها مقام الإشارة . فأغنى عنها . فإن العلم قد يكون ضروريا ، وقد يكون نظريا . والضروري : أبعد عن الالتفات ، وعن تطرق الآفات ، وعدم الغفلات . فصاحبه يشاهد معلومه بنور البصيرة . كما يشاهد المبصرات بنور البصر . ولما كانت مرتبة « المعرفة » فوق مرتبة « العلم » عندهم . ومرتبة « الشهود » فوق مرتبة « المعرفة » ومرتبة « الوجود » فوق مرتبة « الشهود » كانت العبارة في مرتبة العلم والمعرفة . والإشارة في مرتبة الشهود . فإذا وصل إلى مرتبة « الوجود » انقطعت الإشارات . واضمحلت العبارات . فإن صاحب « الوجود » في حضرة الوجود . فما له وما للإشارة ؟ إذ الإشارة في هذا الباب إنما تكون إلى غائب بوجه ما .
قوله « والثالث : وجود مقام اضمحلال رسم الوجود فيه بالاستغراق في الأولية » .
هذا كلام فيه قلق وتعقيد . وهو باللغز أشبه منه بالبيان « 1 » .
وحقيقة هذه الدرجة : أنها تشغل صاحبها بموجوده عن إدراك كونه واجدا . فلم تبق فيه بقية يتفطن بها لكونه مدركا لموجوده . لاستيلائه على قلبه . فقد قهره ومحقه عن شعوره بكونه واجدا لموجوده . فهو حاضر مع الحق ، غائب عن كل ما سواه .
فالدرجة الأولى : وجود علم . والثانية : وجود عيان . والثالثة : وجود مقام اضمحل فيه ما سوى الموجود . وهذا معنى « اضمحلال رسم الوجود فيه » ولهذا قال : « بالاستغراق في الأولية » فإنه إذا استغرق في شهود الأولية اضمحل في هذا الشهود كل حادث . واللّه أعلم .
باب التجريد
قال : « باب التجريد قال اللّه تعالى :
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
[ طه : 12 ] التجريد : انخلاع عن شهود الشواهد . وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : تجريد عين الكشف عن كسب اليقين .
والدرجة الثانية : تجريد عين الجمع عن درك العلم . والدرجة الثالثة : تجريد الخلاص من شهود التجريد » .
وجه الإشارة بالآية - وليس هو تفسيرها ولا المراد بها - أن اللّه سبحانه أمر موسى أن يخلع نعليه عند دخوله ذلك الوادي المقدس ، إما لتنال أخمص قدميه بركة الوادي « 2 » ، وإما لأنهما كانتا مما لا يصلح أن يباشر ذلك المكان بهما . قيل : إنهما كانتا من جلد حمار غير مذكى . وعلى كل حال : فهو أمر بالتجرد من النعلين في ذلك المكان ، وتلك الحال .
وموضع الإشارة : أنه أمر موسى بالتجرد من نعليه عند دخول الوادي . فعلم أن التجرد شرط في الدخول فيما لا يصلح الدخول فيه إلا بالتجرد .
وعلى هذا ، فيقال لمن أراد الوصول إلى اللّه سبحانه وتعالى والدخول عليه : اخلع من
هامش
( 1 ) وأين ومتى كان الاطمئنان والبيان الصريح في كلامه ؟ .
( 2 ) بركة الأرض هي فيما يخرج اللّه من نباتها وزروعها وثمارها وما ينزل من الوحي والرسالة فيها . فتكون بركة من اللّه على المنتفعين الشاكرين لنعم اللّه في الزروع وفي المنزل عليهم . و « البركة » زيادة الخير ودوام النفع به .