وكل هذه الأقوال خطأ . وأصحابها كخابط عشواء .
والتحقيق : أن « الوجود » و « الماهية » إن أخذا ذهنيين فالوجود الذهني عين الماهية الذهنية .
وكذلك إن أخذا خارجيين : اتحدا أيضا . فليس في الخارج وجود زائد على الماهية الخارجية ، بحيث يكون كالثوب المشتمل على البدن . هذا خيال محض . وكذلك حصول الماهية في الذهن هو عين وجودها . فليس في الذهن ماهية ووجود متغايرين . بل إن أخذ أحدهما ذهنيا والآخر خارجيا ، فأحدهما غير الآخر . وليس المقصود بحث هذه المسألة فإنها بعيدة عما نحن فيه .
وهي من وظائف أرباب الجدل والكلام والفلسفة . لا من وظائف أرباب القلوب والمعاملات .
فهؤلاء هممهم في أن يجدوا مطلوبهم ، ويظفروا به . وأولئك شاكون في وجوده : هل هو عين ماهيته ، أو زائد على ماهيته ؟ وهل هو وجود مجرد مطلق لا يضاف إليه وصف ولا اسم ؟ أم وجود خاص تضاف إليه الصفات والأسماء ؟ فهؤلاء في واد وهؤلاء في واد .
وأعظم الخلق كفرا وضلالا : من زعم أن ربه نفس وجود هذه الموجودات ، وأن عين وجوده فاض عليها فاكتست عين وجوده . فاتخذ حجابا من أعيانها . واكتست جلبابا من وجوده .
ولبس عليهم ما لبسوه على ضعفاء العقول والبصائر من عدم التفريق بين وجود الحق سبحانه وإيجاده ، وأن إيجاده هو الذي فاض عليها . وهو الذي اكتسته . وأما وجوده : فمختص به لا يشاركه فيه غيره . كما هو مختص بماهيته وصفاته . فهو بائن عن خلقه . والخلق بائنون عنه .
فوجود ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن ، حاصل بإيجاده له . فهو الذي أعطى كل شيء خلقه . ووجوده المختص به . وبان بذاته وصفاته ووجوده عن خلقه .
قوله « الوجود : اسم للظفر بحقيقة الشيء » هذا « الوجود » الذي هو مصدر وجد الشيء يجده وجودا . ووجد ضالته وجدانا . وفي « الصحاح » : أوجده اللّه مطلوبه أي أظفره به ، وأوجده أي أغناه . أي جعله ذا جدة . قال اللّه تعالى :
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ
[ الطّلاق : 6 ] ويقال :
وجد فلان وجدا ووجدا - بضم الواو وفتحها وكسرها - إذا صار ذا جدة وثروة . ووجد الشيء فهو موجود . وأوجده اللّه . ويقال : وجد اللّه الشيء كذا وكذا ، على غير معنى أوجده . كما قال تعالى :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
( 102 ) [ الأعراف : 102 ] فاللّه سبحانه أوجده على علمه ، بأن يكون على صفة . ثم وجده بعد إيجاده على تلك الصفة التي علم أن سيكون عليها .
وأما « الواجد » في أسمائه سبحانه : فهو بمعنى ذو الوجد والغنى . وهو ضد الفاقد . وهو كالموسع ذي السّعة . قال تعالى :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
( 47 ) [ الذّاريات : 47 ] أي ذوو سعة وقدرة وملك . كما قال تعالى :
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ
[ البقرة : 236 ] ودخل في أسمائه سبحانه « الواجد » دون « الموجد » فإن « الموجد » صفة فعل . وهو معطي الوجود .
كالمحيي معطي الحياة وهذا الفعل لم يجئ إطلاقه في أفعال اللّه في الكتاب ولا في السنة . فلا يعرف إطلاق : أوجد اللّه كذا وكذا . وإنما الذي جاء « خلقه وبرأه ، وصوّره وأعطاه خلقه » ونحو ذلك . فلما لم يكن يستعمل فعله لم يجئ اسم الفاعل منه في أسمائه الحسنى . فإن الفعل أوسع من الاسم . ولهذا أطلق اللّه على نفسه أفعالا لم يتسمّ منها بأسماء الفاعل . كأراد ، وشاء ، وأحدث . ولم يسم « بالمريد » و « الشائي » و « المحدث » ، كما لم يسم نفسه « بالصانع » و « الفاعل »