تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 902

مساهمون:

ص٩٠٢
ويستشكل قول أبي الحسن النوري : أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد إذا وجدت ربي فقدت قلبي . وإذا وجدت قلبي فقدت ربي . ومعنى هذا : أن الوجود الصحيح يغيب الواجد عنه . ويجرده منه . فيفنى بموجوده عن وجوده . وبمشهوده عن شهوده . فإذا وجد الحقيقة غاب عن قلبه وعن صفاته . وإذا غابت عنه الحقيقة بقي مع صفاته . وفي هذا المعنى قيل :
وجودي : أن أغيب عن الوجود * بما يبدو عليّ من الشهود وما في الوجد موجود ، ولكن * فخرت بوجد موجود الوجود
وقد مثل التواجد والوجد والوجود بمشاهدة البحر وركوبه والغرق فيه . فقيل : التواجد يوجب استيعاب العبد . والوجد : يوجب استغراق العبد . والوجود : يوجب استهلاك العبد . وهذه عبارات واستعارات للمراتب الثلاث . وهي البداية ، والتوسط ، والنهاية . والسلوك والوصول - عنده - قصود ، ثم ورود ، ثم شهود ، ثم وجود ، ثم خمود . فيقصد أولا . ثم يرد . ثم يشهد . ثم يجد . ثم تخمد نفسه . وتذهب بالكلية . و « الوجد » ما يرد على الناظر من اللّه تعالى يكسبه فرحا أو حزنا . وهي فرحة يجدها المغلوب عليه بصفات شريفة ينظر إلى اللّه منها . و « التواجد » استجلاب الوجد بالتذكر والتفكر . لاتساع فرجة الوجد بالخروج إلى قضاء الوجدان . فلا وجد عندهم مع الوجدان . كما لا خبر مع العيان . والوجد عرضة للزوال . والوجود ثابت ثبوت الجبال . وقد قيل :
قد كان يطربني وجدي . فأقعدني * عن رؤية الوجد من بالوجد موجود والوجد يطرب من في الوجد راحته * والوجد عند حضور الحق مقصود
فالتواجد : استدعاء الوجد بنوع اختيار وتكلف . وليس لصاحبه كمال الوجد . إذ لو كان له ذلك لكان وجدا . وباب التفاعل ينبني على ذلك . فإن مبناه على إظهار الصفة وليست كذلك . كما قيل :
إذا تخازرت وما بي من خزر
وقد اختلف الناس في التواجد : هل يسلم لصاحبه ؟ على قولين . فقالت طائفة : لا يسلم لصاحبه ، لما فيه من التكلف وإظهار ما ليس عنده . وقوم قالوا : يسلم للصادق الذي يرصد لوجدان المعاني الصحيحة . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ابكوا . فإن لم تبكوا فتباكوا » . والتحقيق : أن صاحب التواجد إن تكلفه لحظ وشهوة نفس : لم يسلم له . وإن تكلفه لاستجلاب حال ، أو مقام مع اللّه : سلم له . وهذا يعرف من حال المتواجد ، وشواهد صدقه وإخلاصه .

أقوال في الوجود

وقد تكلم في « الوجود » الفلاسفة والمتكلمون والاتحادية « 1 » بما هو أبعد شيء عن الصواب : هل وجود الشيء عين ماهيته ، أو غير ماهيته ؟ أو وجود القديم نفس ماهيته ؟ أو وجود الحادث زائد على ماهيته ؟ .
هامش
( 1 ) الجميع يصدر عن مبدأ واحد ، ويسير في طريق واحد ، وإن اختلفت المظاهر والأشكال والأسماء ، باختلاف الأزمنة والأحوال والأمكنة . والكفر ملة واحدة .