تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 889

مساهمون:

ص٨٨٩
العارف الذي قد كشف له في معرفة الأسماء والصفات والفقه فيها ما حجب عن غيره . قوله « أما الدرجة الأولى - وهي تخليص مصحوبك من الحق - : فأن لا يخالج علمك علمه » يعني : أنك كنت تنسب العلم إلى نفسك قبل وصولك إلى مقام « التحقيق » ففي حالة « التحقيق » تعود نسبته إلى معلمه ومعطيه الحق . ولعل هذا معنى قول الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . إذ جمعهم الرب تبارك وتعالى وقال :
ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا
[ المائدة : 109 ] قيل : قالوه تأدبا معه سبحانه . إذ ردوا العلم إليه . وقيل : معناه لا علم لنا بحقيقة الباطن . وإنما أجابنا من أجابنا ظاهرا والباطن غيب . وأنت علام الغيوب . والتحقيق - إن شاء اللّه - أن علومهم تلاشت في علمه سبحانه واضمحلت . فصارت بالنسبة إليه كلا علم . فردوا العلم كله إلى وليه وأهله ، ومن هو أولى به . فعلومهم وعلوم الخلائق جميعهم في جنب علمه تعالى كنقرة عصفور في بحر من بحار العالم . و « المخالجة » المنازعة . قوله « وأما الدرجة الثانية : فأن لا ينازع شهودك شهوده » هذا قريب من المعنى الأول . والمعنى : أن الشهود الذي كنت تنسبه إلى نفسك قبل الفناء تصير بعد تنسبه إليه سبحانه ، لا إليك . قوله « الدرجة الثالثة : أن لا يناسم رسمك سبقه » « الرسم » عندهم : هو الشخص وهو محدث مخلوق . والرب تعالى هو القديم الخالق . فإذا تحقق العبد بالحقيقة : شهد الحق وحده منفردا عن خلقه . فلم يناسم رسمه سبق الحق وأوليته . و « المناسمة » كالمشامّة . يقال : ناسمه ، أي شامه . فاستعار الشيخ اللفظة لأدنى المقاربة والملابسة . أي لا يداني رسمك سبقه ، ولو بأدنى مناسمة . بل تشهد الحق وحده منفردا عن كل ما سواه . وهم يشيرون بذلك إلى أمر . وهو : أن اللّه سبحانه كان ولا شيء معه . وهو الآن على ما عليه كان . فأما اللفظ الأول ، وهو « كان اللّه ولا شيء معه » فهذا قد روي في الصحيح في بعض ألفاظ حديث عمران بن حصين رضي اللّه عنه . وإن كان اللفظ الثابت « كان اللّه ولم يكن شيء قبله » وهو المطابق لقوله في الحديث الآخر الصحيح « أنت الأول فليس قبلك شيء » ولم يقل : فليس معك شيء . وأما قوله « وهو الآن على ما كان عليه » فزيادة في الحديث ليست منه . بل زادها بعض المتحذلقين . وهي باطلة قطعا . فإن اللّه مع خلقه بالعلم والتدبير والقدرة . ومع أوليائه بالحفظ والكلاءة والنصرة . وهم معه بالموافقة والمحبة . وصارت هذه اللفظة مجنّا وترسا للملاحدة من الاتحادية . فقالوا : إنه لا وجود سوى وجوده أزلا وأبدا وحالا . فليس في الوجود إلا اللّه وحده . وكل ما تراه وتلمسه وتذوقه وتشمه وتباشره : فهو حقيقة اللّه . تعالى اللّه عن إفكهم علوا كبيرا . وأما أهل التوحيد : فقد يطلقون هذه اللفظة ، ويريدون بها لفظا صحيحا . وهو أن اللّه سبحانه لم يزل منفردا بنفسه عن خلقه ، ليس مخالطا لهم ، ولا حالا فيهم ، ولا ممازجا لهم . بل هو بائن عنهم بذاته وصفاته . وأما الشيخ وأرباب الفناء : فقد يعنون معنى آخر أخص من ذلك . وهو المشار إليه بقوله