أسباب وأزمنة وأمكنة . فلبّس الحق سبحانه على أهل التفرقة حيث علق الكوائن - وهي الأفعال - بالأسباب . فنسبها أهل التفرقة إلى أسبابها . وعموا عن رؤية الحق سبحانه . ففي الحقيقة لا فعل إلا للّه . وأهل التفرقة يجهلون ذلك . ويقولون : فعل فلان ، وفعل الماء ، وفعل الهواء ، وفعلت النار . وكذلك تعليقه سبحانه المعارف بالوسائط . وهي الأدلة السمعية والعقلية والفطرية ، وتعليقه المسموعات والمبصرات والملموسات بآلاتها وحواسها ، من السمع والبصر والشم والذوق واللمس . وهو سبحانه الخالق لتلك الإدراكات مقارنة لهذه الحواس . وعندها ، لا بها ، ولا بقوى مودعة فيها . وهو سبحانه قادر على خلق هذه المعارف بغير هذه الوسائط . فحجب أهل التفرقة . فهذه الوسائط عن إله قادر سبحانه حقيقة ، الذي لا فعل في الحقيقة إلا له . فكأنه لبس على أهل التفرقة - أي أضلهم - بشهودهم الأسباب ، وغيبتهم بها عنه .
وكذلك القضايا - وهي الوقائع بين العباد - علقها بالحجج الموجبة لها . فكل قضاء وحكم لا بد له من حجة يستند إليها . فيحجب صاحب التفرقة بتلك الحجة عن المصدر الأول الذي منه ابتداء كل شيء . ويقف مع الحجة . ولا ينظر إلى من حكم بها ، وجعلها مظهرا لنفوذ حكمه وقضائه .
وكذلك تعليقه الأحكام بالعلل - وهي المعاني والمناسبات ، والحكم والمصالح - التي من أجلها تثبتت الأحكام . وهو سبحانه واضع تلك المعاني ، ومضيف الأحكام إليها . وإنما هي في الحقيقة مضافة إليه سبحانه .
وكذلك ترتيبه الانتقام على الجنايات ، وربطه الثواب بالطاعات : كل ذلك مضاف إليه سبحانه وحده . لا إلى الجنايات . ولا إلى الطاعات . فإضافة ذلك إليها تلبيس على أهل التفرقة .
وموضع التلبيس في ذلك كله : أن أهل التفرقة يظنون أنه لولا تلك الوسائط لما وجدت معرفة ، ولا وقعت قضية . ولا كان حكم ولا ثواب ، ولا عقاب ولا انتقام . وهذا تلبيس عليهم . فإن هذه الأمور إنما أوجبها محض مشيئة اللّه الذي ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . فانطوى حكم تلك الوسائط والأسباب والعلل في بساط المشيئة الأزلية ، واضمحلت في عين الحكم الأزلي .
وصارت من جملة الكائنات التي هي منفعلة لا فاعلة . ومطيعة لا مطاعة ، ومأمورة لا آمرة وخلق من خلقه ، لا واسطة بينه وبين خلقه . فهي به لا بهم ، ولهذا عاذ العارفون به منه وهربوا منه إليه .
والتجأوا منه إليه . وفروا منه إليه . وتوكلوا به عليه . وخافوه بما منه لا من غيره . فشهدوا أوليته في كل شيء . وتفرده في الصنع وأنه ما ثمّ ما يوجب من الأشياء إلا مشيئته وحده . فمشيئته هي السبب في الحقيقة وما يشاهد أو يعلم من الأسباب فمحلّ ومجرى لنفوذ المشيئة . لا أنه مؤثر وفاعل . فالوسائط لا بد أن تنتهي إلى أول ، لامتناع التسلسل . ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فمن أعدى الأول ؟ » واللّه سبحانه قدر المقادير . وكتب الآثار والأعمال ، والشقاء والسعادة ، والثواب والعقاب . حيث لا واسطة هناك ولا سبب ولا علة . فأهل التفرقة وقفوا مع الوسائط ، وأهل الجمع نفذ بصرهم من الوسائط والأسباب إلى من أقامها وربط بها أحكامها .
قوله « وأخفى الرضى والسخط اللذين هما موضع الوصل والفصل » يعني : أنه سبحانه أخفى عن عباده ما سبق لهم عنده من سخطه على من سخط عليه ، ورضاه عمن رضي عنه ، الموجبين لوصل من وصله ، وقطع من قطعه .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 892
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٨٩٢