فالتلخيص : تلخيص الشيء في الذهن . بحيث لا يدخل فيه غيره . والتخليص : إفراده في الخارج عن غيره .
الثالث : « المصحوب » وهو ما يصحب الإنسان في قصده ومعرفته من معلوم ومراد .
الرابع : « الحق » وهو اللّه سبحانه . وما كان موصلا إليه ، مدنيا للعبد من رضاه .
إذا عرف هذا ، فمصحوب العبد من الحق : هو معرفته ومحبته ، وإرادة وجهه الكريم ، وما يستعين به على الوصول إليه ، وما هو محتاج إليه في سلوكه ف « التحقيق » هو تخليصه من المفسدات القاطعة عنه ، الحائلة بين القلب وبين الموصل إليه وتحصينه من المخالطات .
وتخليصه من المشوشات . فإن تلك قواطع له عن مصحوبه الحق . وهي نوعان لا ثالث لهما :
عوارض محبوبة ، وعوارض مكروهة .
فصاحب مقام التحقيق : لا يقف مع العوارض المحبوبة . فإنها تقطعه عن مصحوبه ومحبوبه . ولا مع العوارض المكروهة . فإنها قواطع أيضا . ويتغافل عنها ما أمكنه . فإنها تمر بالمكاثرة والتغافل مرا سريعا ، لا يوسع دوائرها . فإنه كلما وسعها اتسعت ، ووجدت مجالا فسيحا . فصالت فيه وجالت . ولو ضيقها - بالإعراض عنها والتغافل - لاضمحلت وتلاشت .
فصاحب مقام التحقيق ينساها ويطمس آثارها . ويعلم أنها جاءت بحكم المقادير في دار المحن والآفات .
قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - مرة : العوارض والمحن هي كالحر والبرد .
فإذا علم العبد أنه لا بد منهما لم يغضب لورودهما . ولم يغتم لذلك ولم يحزن .
فإذا صبر العبد على هذه العوارض ولم ينقطع بها : رجى له أن يصل إلى مقام التحقيق .
فيبقى مع مصحوبه الحق وحده . فتهذب نفسه . وتطمئن مع اللّه . وتنفطم عن عوائد السوء ، حتى تغمر محبة اللّه قلبه وروحه . وتعود جوارحه متابعة للأوامر . فيحس قلبه حينئذ بأن معية اللّه معه وتوليه له . فيبقى في حركاته وسكناته باللّه لا بنفسه . وترد على قلبه التعريفات الإلهية ، وذلك إنما يكون في منزل البقاء بعد الفناء ، والظفر بالمحبة الخاصة . ويشهد الإلهية والقيومية والفردانية .
فإن على هذه المشاهد الثلاثة مدار المعرفة والوصول .
والمقصود : أن صاحب مقام « التحقيق » يعرف الحق ، ويميز بينه وبين الباطل . فيمسك بالحق . ويلغي الباطل . فهذه مرتبة . ثم يتبين له : أن ذلك ليس به ، بل باللّه وحده . فيبرأ حينئذ من حوله وقوته . ويعلم أن ذلك بالحق ، ثم يتمكن في ذلك المقام . ويرسخ فيه قلبه . فيصير تحقيقه باللّه وفي اللّه .
ففي الأول : يخلص له مطلوبه من غيره ، ويتجرد له من سواه .
وفي الثاني : يخلص له إضافته إلى غيره ، وأن يكون سواه سبحانه .
وفي الثالث : تجرد له شهوده وقصوره ، بحيث صارت في مطلوبه .
فالأول : سفر إلى اللّه . والثاني : سفر باللّه . والثالث : سفر في اللّه .
وإن أشكل عليك معنى « السفر فيه » والفرق بينه وبين « السفر إليه » ففرق بين حال العابد الزاهد السائر إلى اللّه ، الذي لم يفتح له في الأسماء والصفات والمعرفة الخاصة ، وبين حال
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 888
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٨٨٨