تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 887

مساهمون:

ص٨٨٧
قوله « وبقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا » يعني : بقاء الحق الذي هو المشهود بعد سقوط الشهود الذي هو المخلوق : كان المشهود صفة المشاهد . والمشاهد وصفاته مخلوق . ومشهوده سبحانه غير مخلوق . كما أن علمه وذكره ومعرفته مخلوقة . والمعلوم المذكور المعروف سبحانه غير مخلوق . وإذا كان الموصوف قد فني ، وصفاته تابعة له في الفناء ، فيفنى شهوده ويبقى مشهوده . قوله « وجودا لا نعتا » أي سقط وجود شهوده لا نعته والإخبار عنه . قوله « وبقاء ما لم يزل حقا بإسقاط ما لم يكن محوا » يوضح المراد من الدرجتين اللتين قبل . ومعناه : بقاء الحق ، وفناء المخلوق . والحق - سبحانه - لم يزل باقيا . فلم يتجدد له البقاء . و « الفناء » المتعلق بالمخلوق فناؤهم في شهود المشاهد ، ومحو رسومهم من قلبه بالكلية . لا فناؤهم في الخارج . وحاصل ذلك : أن يفنى من قلبك إرادة السوى : وشهوده والالتفات إليه . ويبقى فيه إرادة الحق وحده ، وشهوده والالتفات بالكلية إليه ، والإقبال بجمعيتك عليه . فحول هذا يدندن العارفون . وإليه يشمر السالكون . وإن وسعوا له العبارات ، وصرفوا إليه القول ، واللّه أعلم .

باب التحقيق

قال : « ( باب التحقيق ) قال اللّه تعالى :
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة : 260 ] التحقيق : تلخيص مصحوبك من الحق . ثم بالحق . ثم في الحق . وهذه أسماء درجاته الثلاث » . وجه تعلقه بإشارة الآية : أن إبراهيم - صلى اللّه عليه وسلم - طلب الانتقال من الإيمان بالعلم بإحياء اللّه الموتى إلى رؤية تحقيقه عيانا . فطلب - بعد حصول العلم الذهني - تحقيق الوجود الخارجي . فإن ذلك أبلغ في طمأنينة القلب . ولما كان بين « العلم » و « العيان » منزلة أخرى . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « نحن أحق بالشك من إبراهيم » إذ قال :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] وإبراهيم لم يشكّ صلى اللّه عليه وسلم . ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يشك . ولكن أوقع اسم « الشك » على المرتبة العلمية باعتبار التفاوت الذي بينها وبين مرتبة العيان في الخارج ، وباعتبار هذه المرتبة سمي العلم اليقيني - قبل مشاهدة معلومه - ظنا . قال تعالى :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
( 46 ) [ البقرة : 46 ] وقال تعالى :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ
[ البقرة : 249 ] وهذا الظن علم جازم . كما قال تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ
[ البقرة : 223 ] لكن بين الخبر والعيان فرق . وفي « المسند » مرفوعا « ليس الخبر كالعيان » ولهذا لما أخبر اللّه موسى : أنه قد فتن قومه ، وأن السامري أضلهم : لم يحصل له من الغضب والكيفية وإلقاء الألواح ما حصل له عند مشاهدة ذلك . إذا عرف هذا ، فقوله « التحقيق : تلخيص مصحوبك من الحق » ها هنا أربعة ألفاظ بتفسيرها يفهم مراده إن شاء اللّه : أحدها : لفظ « التحقيق » وهو تفعيل . من حقق الشيء تحقيقا ، فهو مصدر فعله : حقّق الشيء ، أي أثبته وخلصه من غيره . الثانية : لفظ « التلخيص » ومعناه : تخليص الشيء من غيره . فخلصه ولخصه يشتركان لفظا ومعنى . وإن كان « التلخيص » أغلب على ما في الذهن و « التخليص » أغلب على ما في الخارج .