تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 886

مساهمون:

ص٨٨٦
وجواب هذا ، أن هنا أمرين : أحدهما : وجود صورة المعلوم في قلب العالم ، وإدراكه لها وشعوره بها . والثاني : علمه بعلمه وشعوره . وهو أمر وراء حضور تلك الصورة . وهذا في سائر المدارك . فقد يرى الرائي الشيء ويسمعه ويشمه . ويغيب عن علمه وشعوره بصفة نفسه التي هي إدراكه . فيغيب بمدركه عن إدراكه ، وبمعلومه عن علمه ، وبمرئيه عن رؤيته . فإن قلت : أوضح لي هذا لينجلي فهمه . فاعلم أن ها هنا قوة مدركة له إذا تعلقت به صار معلوما مدركا . فتولد من بين هذين الأمرين حالة ثالثة . تسمى « الشعور » و « العلم » و « الإدراك » . مثال ذلك : ما يدركه بحاسة الذوق والشم . فإنه لا بد من وجود المدرك المذوق المشموم . ولا بد من قوة في الآلة والمحل المخصوص ، تقابل المدرك . وتتعلق به . فيتولد من بين الأمرين كيفية الشم والذوق ، وكذلك في الملموس والمسموع والمرئي . فتمام الإدراك : أن يحيط علما بهذه الأمور الثلاثة . فيشعر بالمدرك ، وبالقوة المدركة ، وبحالة الإدراك . فإذا استغرق القلب في شهوده المعلوم غاب به عن شهود القوة التي بها يعلم ، وعن حالة العلم . ومثل هذا برجل أدرك بلمسه ما التذ به أعظم لذة حصلت له . فاستغرقته تلك اللذة عما سواها . فأسقطت شعوره بها دون وجودها . ولهذا قال الشيخ « بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عيانا لا علما » فعيانا حال من « البقاء » لا من « السقوط » أي بقاؤه وجودا لا نعتا . فإنه في مرتبة العلم باق نعتا ووصفا . وفي هذه المرتبة باق وجودا وعيانا لا علما مجردا . وهذا وجه ثان في كلامه : أنه يبقى وجوده وعينه لا مجرد العلم به . فالعلم به لم يعدم . ولكن انتقل العبد من وجود العلم إلى وجود المعلوم . وكذلك قوله - في الدرجة الثانية - « وبقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا لا نعتا » « الشهود » فوق « العلم » لأنه علم عيان . فينتقل من مجرد الشهود إلى الوجود . فيبقى المشهود موجودا له بعد أن كان مشهودا . ومرتبة « الوجود » فوق مرتبة « الشهود » فإن الوجود حصول ذاتي والشهود حصول علمي . وإن كان فوق العلم . قوله في الدرجة الثالثة « وبقاء من لم يزل حقا بإسقاط ما لم يكن محوا » أي يغلب على القلب سلطان الحقيقة ، ونور الجمع . حتى ينطمس من قلبه أثر المخلوقات كما ينطمس نور الكواكب بطلوع الشمس . ويبقى فيه تعظيم من لم يزل وذكره وحبه ، والاشتغال به لا بغيره . فالدرجة الأولى : بقاء في مرتبة العلم . الدرجة الثانية : بقاء في مرتبة الشهود . والدرجة الثالثة : بقاء في مرتبة الوجود . فهذا وجه . ويمكن شرح كلامه على وجه آخر . وهو : أن المعلوم يسقط شهود العلم . فالعلم يسقط والمعلوم يثبت . فالعبد إذا بقي بعد الفناء : سقط علمه في مشهد عيانه بحيث تبقى مرتبة العلم عيانا . فيسقط العلم بالعيان ، بحيث يصير عينا لا علما . فإذا نظرت إلى العلم باعتبار العين - وهي حضرة الجمع - سقط العلم . فإذا نظرت إليه باعتبار الفرق لم يسقط . فسقوطه في حضرة الجمع ، وثبوته في مقام الفرق .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 886 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى