تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 890

مساهمون:

ص٨٩٠
« لا يناسم رسمك سبقه » أي لا ترى أنك معه بل تراه وحده . ولهذا قال « فتسقط الشهادات . وتبطل العبارات . وتفنى الإشارات » يعني : أنك إذا لم تشهد معه غيره . وأسقطت الغير من الشهود ، لا من الوجود ، بخلاف ما يقول الملحد الاتحادي : إنك تسقط الغير شهودا ووجودا - سقطت الشهادات والعبارات والإشارات . لأنها صفات العبد المحدث المخلوق . والفناء يوجب إسقاطها . والمعنى : أن الواصل إلى هذا المقام : لا يرى مع الحق سواه . فيمحو السوى في شهوده . وعند الملحد : يمحوه من الوجود . واللّه أعلم وهو الموفق .

باب التلبيس

قال « ( باب التلبيس ) قال اللّه تعالى :
وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
[ الأنعام : 9 ] » ليته لم يستشهد بهذه الآية في هذا الباب . فإن الاستشهاد بها على مقصوده أبعد شاهد عليه ، وأبطله شهادة . وليته لم يسم هذا الباب « بالتلبيس » واختار له اسما أحسن منه موقعا . فأما الآية : فإن معناها غير ما عقد له الباب من كل وجه . فإن المشركين قالوا تعنتا في كفرهم :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
[ الأنعام : 8 ] يعنون : ملكا نشاهده ونراه . يشهد له ويصدقه . وإلا فالملك كان ينزل عليه بالوحي من اللّه ، فأجاب اللّه تعالى عن هذا . وبين الحكمة في عدم إنزال الملك على الوجه الذي اقترحوه : بأنه لو أنزل ملكا - كما اقترحوا ولم يؤمنوا ويصدقوه - لعوجلوا بالعذاب . كما جرت واستمرت به سنته تعالى مع الكفار في آيات الاقتراح ، إذا جاءتهم ولم يؤمنوا بها . فقال :
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ
[ الأنعام : 8 ] ثم بين سبحانه : أنه لو أنزل ملكا - كما اقترحوا - لما حصل به مقصودهم . لأنه إن أنزله في صورته لم يقدروا على التلقي عنه . إذ البشر لا يقدرون على مخاطبة الملك ومباشرته وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم - وهو أقوى الخلق - إذا نزل عليه الملك كرب لذلك ، وأخذه البرحاء ، وتحدّر منه العرق في اليوم الشاتي . وإن جعله في صورة رجل : حصل لهم لبس : هل هو رجل ، أم ملك ؟ فقال تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ
[ الأنعام : 9 ] في هذه الحال ( ما يلبسون ) على أنفسهم حينئذ . فإنهم يقولون - إذا رأوا الملك في صورة الإنسان - هذا إنسان . وليس بملك . فهذا معنى الآية . فأين تجده مما عقد له الباب ؟ .

تعريف التلبيس

قال « التلبيس : تورية بشاهد معار عن موجود قائم » لما كانت « التورية » إظهار خلاف المراد ، بأن يذكر شيئا يوهم أنه مراده . وليس هو بمراده . بل ورّى بالمذكور عن المراد : فسر « التلبيس » بها . وفي الحديث « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أراد غزوة ورّى بغيرها » مثاله : أن يريد غزو خيبر فيقول للناس : كيف طريق نجد ، وما بها من المياه ؟ ونحو ذلك . فها هنا شيئان : أمر ستر المورّي الملبّس ، وأمر ستر ما ورّى عنه . فأشار المصنف إلى الأمرين بقوله « تورية شاهد معار عن موجود قائم » فأما « التورية » فقد عرفتها ، وأما « الشاهد » فهو الذي تورّي به عن مرادك وتستشهد به . وأما « المعار » فهو الشاهد الذي استعير لغيره ليشهد له .