تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 891

مساهمون:

ص٨٩١
فهو شاهد استعير لمشهود قائم . فالتورية : أن تذكر ما يحتمل معنيين ، ومقصودك خلاف الذي يظهر منهما ، والتلبيس : يشبه التعمية والتخليط ، ومنه قوله :
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
[ البقرة : 42 ] واللّه سبحانه وتعالى أعلم .

التلبيس اسم لثلاثة معان

قال الشيخ : « وهو اسم لثلاثة معان . أولها : تلبيس الحق سبحانه بالكون على أهل التفرقة . وهو تعليقه الكوائن بالأسباب والأماكن والأحايين ، وتعليقه المعارف بالوسائط ، والقضايا بالحجج ، والأحكام بالعلل ، والانتقام بالجنايات ، والمثوبة بالطاعات . وأخفى الرضى والسخط اللذين يوجبان الفصل والوصل . ويظهران الشقاوة والسعادة » . شيخ الإسلام حبيبنا . ولكن الحق أحب إلينا منه . وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه يقول : عمله خير من علمه « 1 » . وصدق رحمه اللّه . فسيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجهاد أهل البدع لا يشق له فيها غبار . وله المقامات المشهورة في نصرة اللّه ورسوله . وأبى اللّه أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى اللّه عليه وسلم . وقد أخطأ في هذا الباب لفظا ومعنى . أما اللفظ : فتسميته فعل اللّه ، الذي هو حق وصواب وحكمة ورحمة . وحكمه الذي هو عدل وإحسان ، وأمره الذي هو دينه وشرعه « تلبيسا » فمعاذ اللّه . ثم معاذ اللّه من هذه التسمية . ومعاذ اللّه من الرضى بها ، والإقرار عليها ، والذب عنها ، والانتصار لها . ونحن نشهد باللّه أن هذا تلبيس على شيخ الإسلام . فالتلبيس وقع عليه . ولا نقول : وقع منه . ولكنه صادق لبس عليه . ولعل متعصبا له يقول : أنتم لا تفهمون كلامه . فنحن نبين مراده على وجهه إن شاء اللّه . ثم نتبع ذلك بما له وعليه . فقوله « أولها : تلبيس الحق بالكون على أهل التفرقة » و « الحق » ها هنا المراد به الرب تعالى ، و « الكون » اسم لكل ما سواه ، و « أهل التفرقة » ضد أهل الجمع . وسيأتي معنى « الجمع » عنده بعد هذا إن شاء اللّه . فأهل التفرقة الذين لم يصلوا إلى مقام الجمع . فأهل التفرقة عنده : لبس عليهم الحق بالباطل . فإنهم لبس عليهم الحق بالكون وهو الباطل . وكل شيء ما خلا اللّه باطل . وأهل التفرقة عندهم : الذين غلب عليهم النظر إلى الأسباب حتى غفلوا عن المسبب ، ووقفوا معها دونه « 2 » . و « التلبيس » فعل من أفعال الرب تعالى . وهو سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء . ولذلك استدل على هذا المعنى بالآية . وهي قوله تعالى :
وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
[ الأنعام : 9 ] ليعرفك أن هذا الفعل لا تمنع نسبته إلى اللّه كما لا تمنع نسبة الإضلال إليه . ووجه هذا التلبيس : أنه - سبحانه - أضاف الأفعال الصادرة عن محض قدرته ومشيئته إلى
هامش
( 1 ) من هنا كانت البلايا والطوام أن يكون العمل بلا علم ، وأن يقام له وزن . فتكون البدعة وطاعة الشيطان واتباع الهوى ولا بد . فإن منبت ذلك الجاهلية الصوفية . ( 2 ) صريح اللفظ : أن أهل التفرقة : هم الذين يفرقون بين العبد والرب . وأهل الجمع : هم الذين يعتقدون الوحدة بين العبد والرب .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 891 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى