عبوديتك إلى عبوديته ، ومن طلب رضاك والمنزلة عندك إلى طلب رضاه والمنزلة عنده - خير منك وأدوم . وعذابك ونعيمك ينقطع ويفرغ ، وعذابه هو ونعيمه وكرامته لا تنقطع ولا تبيد .
فكيف نؤثر المنقطع الفاني الأدنى ، على الباقي المستمر الأعلى ؟ .
ولكن وجه الإشارة بالآية : أن الوسائل والتعلقات والمحبة والإرادة تابعة لغاياتها ومحبوبها ومرادها . فمن كانت غاية محبته وإرادته منقطعة : انقطع تعلقه عند انقطاعها . وذهب عمله وسعيه واضمحل . ومن كان مطلوبه وغايته باقيا دائما لا زوال له ولا فناء ، ولا يضمحل ولا يتلاشى :
دام تعلقه ونعيمه به بدوامه . فالوسائل تابعة للغايات . والتعلقات تابعة لمتعلقاتها . والمحبة تابعة للمحبوب . فليس المحبوب الذي يتلاشى ويضمحل ويفنى كالمحبوب الذي كل شيء هالك إلا وجهه فالمحب باق ببقاء محبوبه . يشرف بشرفه . ويعظم خطره بحسب محبوبه . ويستغني بغناه .
ويقوى بقوته . ويعز بعزه . ويعظم شأنه في النفوس بخدمته وإرادته ومحبته . تاللّه لولا حجاب الغفلة والعوائد والهوى والمخالفات لذاق القلب أعظم الألم بتعلقه بغير الحبيب الأول . ولذاق أعظم اللذة والسرور بتعلقه به ، فاللّه المستعان .
قال الشيخ « البقاء : اسم لما بقي قائما بعد فناء الشواهد وسقوطها » .
له في هذه العبارة تسامح . وأرباب هذا الشأن همهم المعاني . فهم يسامحون في العبارات ما لا يسامح فيه غيرهم .
فالبقاء : هو الدوام واستمرار الوجود . وهو نوعان : مقيد ومطلق . فالمقيد : البقاء إلى مدة .
والمطلق : الدائم المستمر لا إلى غاية .
و « البقاء » أوضح من هذا الحد الذي ذكره . ولكن لما كان مراده « البقاء » الذي هو صفة العبد ومقامه ، قال : « هو اسم لما بقي بعد فناء الشواهد » وهذا عام في سائر أنواع ما بقي العبد متصفا به بعد فناء الأدلة والآثار التي دلت على الحقيقة .
و « الشواهد » عنده هي الرسوم كلها . وربما يراد بها معالم الشهود . وهو الذي عناه فيما تقدم . فإذا جعلت الشواهد ها هنا معالم الشهود ، كان المعنى : أن المعالم توصل إلى الشهود .
ويبقى الشهود قائما بعد فناء معالمه .
وحقيقة الأمر : أن الحق سبحانه يفنيهم عما سواه ويبقيهم به . وما سواه هو المعالم والرسوم .
درجات البقاء
قال : « وهو على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينا لا علما . وبقاء المشهود ، بعد سقوط الشهود وجودا لا نعتا . وبقاء ما لم يزل حقا بإسقاط ما لم يكن محوا » .
قلت : أما « بقاء المعلوم بعد سقوط العلم » فقد يظهر في بادىء الأمر امتناعه ، إذ كونه معلوما - مع سقوط العلم به - جمع بين النقيضين . وكأنه معلوم غير معلوم فإن « المعلوم » لا يكون معلوما إلا بالعلم . فكيف يكون معلوما مع سقوطه ؟ .