والمقصود : أن هذا العبد لا يزال اللّه يرقيه طبقا بعد طبق ، ومنزلا بعد منزل ، إلى أن يوصله إليه . ويمكن له بين يديه ، أو يموت في الطريق . فيقع أجره على اللّه . فالسعيد كل السعيد ، والموفق كل الموفق : من لم يلتفت عن ربه تبارك وتعالى يمينا ولا شمالا . ولا اتخذ سواه ربا ولا وكيلا . ولا حبيبا ولا مدبرا . ولا حكما ولا ناصرا ولا رازقا .
وجميع ما تقدم من مراتب الوصول : إنما هي شواهد وأمثلة إذا تجلت له الحقائق في الغيب - بحسب استعداده ولطفه ورقته من حيث لا يراها - ظهر من تجليها شاهد في قلبه . وذلك الشاهد دال عليها ليس هو عينها . فإن نور الجلال في القلب ليس هو نور ذي الجلال في الخارج . فإن ذلك لا تقوم له السماوات والأرض . ولو ظهر للوجود لتدكدك . لكنه شاهد دال على ذلك ، كما أن المثل الأعلى شاهد دال على الذات . والحق وراء ذلك كله ، منزه عن حلول واتحاد ، وممازجة لخلقه . وإنما تلك رقائق وشواهد تقوم بقلب العارف . تدل على قرب الألطاف منه في عالم الغيب حيث يراها . وإذا فني فإنما يفنى بحال نفسه لا باللّه ولا فيه ، وإذا بقي فإنما يبقى بحاله هو ووصفه . لا ببقاء ربه وصفاته . ولا يبقى باللّه إلا اللّه ، ومع ذلك :
فالوصول حق . يجد الواصل آثار تجلي الصفات في قلبه . وآثار تجلي الحق في قلبه . ويوقف القلب فوق الأكوان كلها بين يدي الرب تعالى . وهو على عرشه . ومن هناك يكاشف بآثار الجلال والإكرام . فيجد العرش والكرسي تحت مشهد قلبه حكما . وليس الذي يجده تحت قلبه حقيقة : العرش والكرسي . بل شاهد ومثال علمي ، يدل على قرب قلبه من ربه ، وقرب ربه من قلبه . وبين الذوقين تفاوت . فإذا قرب الرب تعالى من قلب عبده بقيت الأكوان كلها تحت مشهد قلبه . وحينئذ يطلع في أفقه شمس التوحيد . فينقشع بها ضباب وجوده ويضمحل ويتلاشى . وذاته وحقيقته موجودة بائنة عن ربه . وربه بائن عنه . فحينئذ يغيب العبد عن نفسه ويفنى . وفي الحقيقة هو باق . غير فان . ولكنه ليس في سره غير اللّه . قد فني فيه عن كل ما سواه .
نعم قد يتفق له في هذه الحالة : أن لا يجد شيئا غير اللّه . فذلك لاستغراق قلبه في مشهوده وموجوده . ولو كان ذلك في نفس الأمر : لكان العبد في هذه الحال خالقا بارئا مصورا أزليا أبديا .
فعليك بهذا الفرقان . واحذر فريقين هما أعدى عدو لهذا الشأن : فريق الجهمية المعطلة ، التي ليس عندها فوق العرش إلا العدم المحض . فشمّ رائحة هذا المقام من أبعد الأمكنة حرام عليها . وفريق أهل الاتحاد القائلين بوحدة الوجود وأن العبد ينتهي في هذا السفر إلى أن يشهد وجوده هو عين وجود الحق جل جلاله . وعيشك بجهلك خير من معرفة هاتين الطائفتين .
وانقطاعك مع الشهوات خيرك معهما . واللّه المستعان وعليه التكلان .
باب البقاء
قال الشيخ : « ( باب البقاء ) قال اللّه عز وجلّ :
وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ طه : 73 ] » .
« البقاء » الذي يشير إليه القوم : هو صفة العبد ومقامه . و « البقاء » في الآية : هو بقاء الرب ، ودوام وجوده . وإنما ذكره مؤمنو السحرة في هذا المكان . لأن عدو اللّه فرعون توعدهم على الإيمان بإتلاف حياتهم ، وإفناء ذواتهم ، فقالوا له : وإن فعلت ذلك . فالذي آمنا به وانتقلنا من