فإذا استمر له ذلك فتح عليه باب القبض والبسط . فيقبض عليه حتى يجد ألم القبض لقوة وارده ، ثم يقبض وعاءه بأنوار الوجود . فيفنى عن وجوده ، وينمحي كما يمحو نور الشمس نور الكواكب . ويطوي الكون عن قلبه بحيث لا يبقى فيه إلا اللّه الواحد القهار . وتفيض أنوار المعرفة والمعاملة والصدق والإخلاص والمحبة من قلبه ، كما يفيض نور الشمس عن جرمها . فيغرق حينئذ في الأنوار كما يغرق راكب البحر في البحر . وذلك إنما يكون في الرياضة والمجاهدة ، وزوال أحكام الطبيعة ، وطول الوقوف في الباب .
وهذا هو من علم اليقين ، لا من عين اليقين ، ولا من حق اليقين . إذ لا سبيل إليهما في الدار . فإن عين اليقين : مشاهدة . وحق اليقين : مباشرة . نعم قد يكون حق اليقين : في هذه الدنيا بالنسبة إلى الوجود الذهني ، وما يقوم بالقلوب فقط ، ليس إلا . كما تقدم تقريره مرارا . ونحن لا تأخذنا في ذلك لومة لائم . وهم لا تأخذهم في كون ذلك في العيان لومة لائم . وهم عندنا صادقون ملبوس عليهم . ونحن عندهم محجوبون عن ذلك غير واصلين إليه .
فإن استمر على حاله واقفا بباب مولاه ، لا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا . ولا يجيب غير من يدعوه إليه . ويعلم أن الأمر وراء ذلك ، وأنه لم يصل بعد . ومتى توهم أنه قد وصل : انقطع عنه المزيد - رجى أن يفتح له فتح آخر . هو فوق ما كان فيه . مستغرقا قلبه في أنوار مشاهدة الجلال بعد ظهور أنوار الوجود الحق ، ومحو وجوده هو . ولا يتوهم أن وجود صفاته وذاته تبطل . بل الذي يبطل : هو وجوده النفساني الطبعي . ويبقى له وجود قلبي روحاني ملكي . فيبقى قلبه سابحا في بحر من أنوار آثار الجلال . فتنبع الأنوار من باطنه ، كما ينبع الماء من العين ، حتى يجد الملكوت الأعلى كأنه في باطنه وقلبه . ويجد قلبه عاليا على ذلك كله ، صاعدا إلى من ليس فوقه شيء . ثم يرقيه اللّه سبحانه . فيشهده أنوار الإكرام بعد ما شهد أنوار الجلال . فيستغرق في نور من أنوار أشعة الجمال . وفي هذا المشهد يذوق المحبة الخاصة الملهبة للأرواح والقلوب . فيبقى القلب مأسورا في يد حبيبه ووليه ، ممتحنا بحبه . وإن شئت أن تفهم ذلك تقريبا ، فانظر إليك وإلى غيرك - وقد امتحنت بصورة بديعة الجمال ظاهرا وباطنا - فملكت عليك قلبك وفكرك ، وليلك ونهارك . فيحصل لك نار من المحبة . فتضرم في أحشائك يعزّ معها الاصطبار . وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء .
فيا له من قلب ممتحن مغمور مستغرق بما ظهر له من أشعة أنوار الجمال الأحدي .
والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصور والرياسة . معذبون بذلك قبل حصوله ، وحال حصوله ، وبعد حصوله . وأعلاهم مرتبة : من يكون مفتونا بالحور العين ، أو عاملا على تمتعه في الجنة بالأكل والشرب واللباس والنكاح . وهذا المحب قد ترقى في درجات المحبة على أهل المقامات ، ينظرون إليه في الجنة كما ينظرون إلى الكوكب الدري الغابر في الأفق لعلو درجته وقرب منزلته من حبيبه ، ومعيته معه . فإن المرء مع من أحب . ولكل عمل جزاء . وجزاء المحبة المحبة والوصول والاصطناع والقرب . فهذا هو الذي يصلح . وكفى بذلك شرفا وفخرا في عاجل الدنيا . فما ظنك بمقاماتهم العالية عند مليك مقتدر ؟ فكيف إذا رأيتهم في موقف القيامة ، وقد أسمعهم المنادي « لينطلق كل قوم مع ما كانوا يعبدون » فيبقون في مكانهم ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحب شيء إليهم . حتى يأتيهم ، فينظرون إليه ويتجلى لهم ضاحكا .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 883
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٨٨٣