فهو ناظر منه به إليه . فإن بشهوده عن شهود ما سواه . ومع هذا فهو ساع في طلب الوصول إليه .
قائما بالواجبات والنوافل .
الأمر الثاني : الفناء في مشهد الإلهية . وحقيقته « الفناء » عن إرادة ما سوى اللّه ومحبته ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه ، وخوفه ورجائه ، فيفنى بحبه عن حب ما سواه ، وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه . وحقيقة هذا الفناء : إفراد الرب سبحانه بالمحبة ، والخوف والرجاء ، والتعظيم والإجلال . ونحن نشير إلى مبادئ ذلك وتوسطه وغايته . فنقول :
اعلم أن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال ، أو رياسة أو صورة .
وتعلق بالآخرة ، والاهتمام بها من تحصيل العدّة ، والتأهب للقدوم على اللّه عز وجل : فذلك أول فتوحه ، وتباشير فجره . فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه . فيفعله ويتقرب به إليه .
وما يسخطه منه ، فيجتنبه . وهذا عنوان صدق إرادته . فإن كل من أيقن بلقاء اللّه ، وأنه سائله عن كلمتين - يسأل عنهما الأولون والآخرون - ماذا كنتم تعبدون ؟ وماذا أجبتم المرسلين ؟ لا بد أن يتنبه لطلب معرفة معبوده ، والطريق الموصلة إليه . فإذا تمكن في ذلك : فتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات ، فلا شيء أشوق إليه من ذلك . فإنها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته . وتسد عليه الأبواب التي تفرق همّه وتشت قلبه . فيأنس بها ويستوحش من الخلق .
ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها . ويجد فيها من اللذة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب ، ونيل الشهوات . بحيث إنه إذا دخل في الصلاة ودّ أن لا يخرج منها . ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام اللّه . فلا يشبع منه . وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبي إذا أعطي ما هو شديد المحبة له . ثم يفتح له باب شهود عظمة اللّه المتكلم به وجلاله ، وكمال نعوته وصفاته وحكمته ، ومعاني خطابه ، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه . ويحس بقلبه وقد دخل في عالم آخر غير ما الناس فيه .
ثم يفتح له باب الحياء من اللّه . وهو أول شواهد المعرفة ، وهو نور يقع في القلب ، يريه ذلك النور : أنه واقف بين يدي ربه عز وجل . فيستحي منه في خلواته وجلواته ويرزق عند ذلك :
دوام المراقبة للرقيب ، ودوام التطلع إلى حضرة العلي الأعلى ، حتى كأنه يراه ويشاهده فوق سماواته ، مستويا على عرشه ، ناظرا إلى خلقه ، سامعا لأصواتهم ، مشاهدا لبواطنهم . فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطى عليه كثيرا من الهموم بالدنيا وما فيها . فهو في وجود والناس في وجود آخر . هو في وجود بين يدي ربه ووليه ، ناظرا إليه بقلبه والناس في حجاب عالم الشهادة في الدنيا . فهو يراهم وهم لا يرونه . ولا يرون منه إلا ما يناسب عالمهم ووجودهم .
ثم يفتح له باب الشعور بمشهد القيومية . فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده . فيشهده مالك الضر والنفع ، والخلق والرزق ، والإحياء والإماتة . فيتخذه وحده وكيلا . ويرضى به ربا ومدبرا وكافيا . وعند ذلك إذا وقع نظره على شيء من المخلوقات دله على خالقه وبارئه ، وصفات كماله ونعوت جلاله . فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه . بل يناديه كل من المخلوقات بلسان حاله : اسمع شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه . فأنا صنع اللّه الذي أتقن كل شيء .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 882
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٨٨٢