وقوله « شائما برق العين » « الشائم » الناظر من بعد . و « برق العين » نور الحقيقة . وقد تقدم التنبيه على استحالة تعلق هذا بالنور الخارجي . وإنما هو أنوار القرب والمراقبة والحضور مع اللّه .
وقوله « راكبا بحر الجمع » « الجمع » الذي يشيرون إليه : عبارة عن شخوص البصيرة إلى مجرد مصدر المتفرقات كلها ، كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء اللّه تعالى . وركوب لجة هذا الجمع : هو فناؤه فيه .
قوله « سالكا سبيل البقاء » يعني : أن من فني فقد تأهل للبقاء بالحق . وهذا البقاء هو بعد الفناء . فإنه إذا تحقق بالفناء رفع له علم الحقيقة . فشمر إليه سالكا في طريق البقاء . وهي القيام بالأوراد ، وحفظ الواردات . فحينئذ يرجى له الوصول .
لم يرد في الكتاب ، ولا في السنة ، ولا في كلام الصحابة والتابعين : مدح لفظ « الفناء » ولا ذمه ، ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشار إليه البتة ، ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدمون .
ولا جعلوه غاية ولا مقاما « 1 » . وقد كان القوم أحق بكل كمال . وأسبق إلى كل غاية محمودة .
ونحن لا ننكر هذا اللفظ مطلقا . ولا نقبله مطلقا .
ولا بد فيه من التفصيل . وبيان صحيحه من معلوله . ووسيلته من غايته . فنقول - وباللّه التوفيق . وهو الفتاح العليم - :
حقيقة « الفناء » المشار إليه : هو استهلاك الشيء في الوجود العلمي الذهني . وها هنا تقسّمه أهل الاستقامة وأهل الزيغ والإلحاد . فزعم أهل الاتحاد - القائلون بوحدة الوجود - أن الفناء هو غاية الفناء عن وجود السوى . فلا يثبت للسوى وجود البتة . لا في الشهود ولا في العيان . بل يتحقق بشهود وحدة الوجود . فيعلم حينئذ : أن وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحق ، فما ثم وجودان . بل الموجود واحد . وحقيقة « الفناء » عندهم : أن يفنى عما لا حقيقة له . بل هو وهم وخيال . فيفنى عما هو فان في نفسه . لا وجود له . فيشهد فناء وجود كل ما سواه في وجوده . وهذا تعبير محض ، وإلا ففي الحقيقة : ليس عند القوم « سوى » ولا « غير » وإنما السوى والغير في الوهم والخيال . فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون .
وأما أهل التوحيد والاستقامة : فيشيرون بالفناء إلى أمرين . أحدهما أرفع من الآخر .
الأمر الأول : الفناء في شهود الربوبية والقيومية . فيشهد تفرد الرب تعالى بالقيومية والتدبير ، والخلق والرزق ، والعطاء والمنع ، والضر والنفع ، وأن جميع الموجودات منفعلة لا فاعلة . وما له منها فعل فهو منفعل في فعله ، محل محض لجريان أحكام الربوبية عليه . لا يملك شيئا منها لنفسه ولا لغيره ، فلا يملك ضرا ولا نفعا . فإذا تحقق العبد بهذا المشهد : خمدت منه الخواطر والإرادات . نظرا إلى القيوم الذي بيده تدبير الأمور ، وشخوصا منه إلى مشيئته وحكمته
هامش
( 1 ) بل هو مذكور في كلام القدماء قبل الإسلام بمئات السنين . يعرفه من قرأ فلسفة الهند والصين واليونان .
ورحم اللّه الشيخ ابن القيم وغفر له . وما قول أبي يزيد البسطامي « سبحاني ، وما في الجبة إلا اللّه » وأشباهه إلا على هذا الفناء .