ظاهره . فيتشابه الظاهر والباطن فيه . وحينئذ يفنى العبد عما سواه . ويبقى بالمشهد الروحي الذاتي الموجب للمحبة الخاصة الملهبة للروح .
فمنهم من يضعف لقلة الوارد . فلا يمكنه أن يتسع لغير ما باشر سره وقلبه من آثار الحب الخاص . ومنهم من يقوى ويتسع نظره . فيجد آثار الجلال والجمال المقدس في قلبه وروحه .
ويجد العبودية والمحبة ، والدعاء والافتقار ، والتوكل والخوف والرجاء ، وسائر الأعمال القلبية :
قائمة بقلبه . لا تشغله عن مشهد الروح . ولا تستغرق مشهد الروح عنه . ويجد ملاحظته للأوامر والنواهي حاضرا في جذر قلبه حيث نزلت الأمانة . فلا يشغله مشهد الروح المستغرق ، ولا مشهد القلب عن ملاحظة مراضي الرب تعالى ومحابه ، وحقه على عبده . ويجد ترك التدبير والاختيار وصحة التفويض موجودا في محل نفسه . فيعامل اللّه سبحانه بذلك . بحيث لا تشغله مشاهدة الأولى عنه . ويقوم بملاحظة عقله لأسرار حكمة اللّه في خلقه وأمره . ولا يحجبه ذلك كله عن ملاحظة عبوديته . فيبقى مغمور الروح بملاحظة الفردانية وجلالها وكمالها وجمالها . قد استغرقته محبته والشوق إليه . معمور القلب بعبادات القلوب معمور القلب بملاحظة الحكمة ومعاني الخطاب . طاهر القلب عن سفساف الأخلاق ، مع اللّه تعالى ومع الخلق . قد صار عبدا محضا لربه بروحه وقلبه وعقله ، ونفسه وبدنه وجوارحه . قد قام كلّ بما عليه من العبودية . بحيث لا تحجبه عبودية بعضه عن عبودية البعض الآخر . قد فني عن نفسه وبقي بربه . كما قال أبو بكر الكتاني . جرت مسألة بمكة أيام الموسم في المحبة . فتكلم الشيوخ فيها . وكان الجنيد أصغرهم سنا . فقالوا له : هات ما عندك يا عراقي . فأطرق ساعة . ودمعت عيناه . ثم قال : عبد ذاهب عن نفسه . ومتصل بذكر ربه . قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه . أحرق قلبه أنوار هيبته . وصفا شربه من كأس وده . وانكشف له الجبار من أستار غيبه . فإن تكلم : فباللّه . وإن نطق : فعن اللّه . وإن عمل : فبأمر اللّه . وإن سكن : فمع اللّه . فهو للّه ، وباللّه ، ومع اللّه .
فبكى الشيوخ . وقالوا : ما على هذا مزيد . جبرك اللّه يا تاج العارفين .
قال الشيخ : « الدرجة الثانية : فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود العلم لإسقاطه . وفناء شهود العيان لإسقاطه » .
إنما كانت هذه الدرجة من الفناء أعلى عنده مما قبلها : لأنها أبلغ في الفناء من جهة فناء أربابها عن فنائهم . فقد سقط عن قلوبهم ذكر أحوالهم ومقاماتهم لما هم فيه من الشغل بربهم .
وقوله « لإسقاطه » أي لإسقاط الشهود ، لا إسقاط المشهود . فالطلب والعلم والعيان قائم .
وقد سقط الشهود ، لاستغراق صاحبه في المطلوب المعاين .
قال : « الدرجة الثالثة : الفناء عن شهود الفناء . وهو الفناء حقا . شائما برق العين ، راكبا بحر الجمع ، سالكا سبيل البقاء » .
الفرق بين الفناء في هذه الدرجة والتي قبلها : أنه في التي قبلها قد فني عن شهود طلبه وعلمه وعيانه ، مع شعوره بفنائه عن ذلك . وفي هذه الدرجة قد فني عن ذلك كله . وفني عن شهود فنائه . كما يقال : آخر من يموت ملك الموت .
وإنما كان هذا الفناء عنده هو الفناء حقا : لأنه قد فني فيه كل ما سوى الحق سبحانه . لأن صاحبه يشهد الفناء قد فني . فلم يبق سوى الواحد القهار .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 880
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٨٨٠