درجات المعرفة
قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : فناء المعرفة في المعروف . وهو الفناء علما . وفناء العيان في المعاين . وهو الفناء جحدا . وفناء الطلب في الوجود . وهو الفناء حقا »
هذا تفصيل ما أجمله أولا ، ونبين ما أرادوا بالعلم ، والجحد ، والحق .
ففناء المعرفة في المعروف : هو غيبة العارف بمعروفه عن شعوره بمعرفته ومعانيها فيفنى به سبحانه عن وصفه هنا وما قام به . فإن المعرفة فعله ووصفه . فإذا استغرق في شهود المعروف فني عن صفة نفسه وفعلها . ولما كانت المعرفة فوق العلم وأخص منه كان فناء المعرفة في المعروف مستلزما لفناء العلم في المعرفة . فيفنى أولا في المعرفة ثم تفنى المعرفة في المعروف .
وأما فناء العيان في المعاين : فالعيان فوق المعرفة . فإن المعرفة مرتبة فوق العلم ودون العيان . فإذا انتقل من المعرفة إلى العيان فني عيانه في معاينه ، كما فنيت معرفته في معروفه .
وأما فناء الطلب في الوجود : فهو أن لا يبقى لصاحب هذا الفناء طلب . لأنه ظفر بالمطلوب المشاهد . وصار واجدا بعد أن كان طالبا . فكان إدراكه أولا علما . ثم قوي فصار معرفة . ثم قوي فصار عيانا . ثم تمكن فصار معرفة . ثم تمكن فصار وجودا .
ولعلك أن تستنكر - أو تستبعد - هذه الألفاظ ومعانيها . فاسمع ضرب مثل يهون عليك ذلك ، ويقربه منك : مثل ملك - عظيم السلطان ، شديد السطوة ، تام الهيبة ، قوي البأس - استدعى رجلا من رعيته قد اشتد جرمه وعصيانه له . فحضر بين يديه . وغلب على ظنه إتلافه .
فأحواله في حال حضوره مختلفة بالنسبة إلى ما يشاهده . فتارة يتذكر جرمه وسطوة السلطان وقدرته عليه . فيفكر فيما سيلقاه . وتارة تقهره الحال التي هو فيها . فلا يذكر ما كان منه ولا ما أحضر من أجله ، لغلبة الخوف على قلبه ويأسه من الخلاص . ولكن عقله وذهنه معه . وتارة يغيب قلبه وذهنه بالكلية فلا يشعر أين هو ؟ ولا من إلى جانبه ، ولا بما يراد به . وربما جرى على لسانه في هذه الحال ما لا يريده . فهذا فناء الخوف .
ومثال ثان في فناء الحب : محب استغرقت محبته شخصا في غاية الجمال والبهاء . وأكبر أمنيته الوصول إليه ، ومحادثته ورؤيته . فبينا هو على حاله قد ملأ الحب قلبه . وقد استغرق فكره في محبوبه ، وإذا به قد دخل عليه محبوبه بغتة على أحسن هيئة . فقابله قريبا منه . وليس دونه سواه . أفليس هذا حقيقا أن يفنى عن رؤية غيره بمشاهدته ؟ وأن يفنى عن شهوده بمشهوده ، بل وعن حبه بمحبوبه ؟ فيملك عليه المحبوب سمعه وبصره وإرادته وإحساسه . ويغيب به عن ذاته وصفاته ؟ وانظر إلى النسوة كيف قطعن أيديهن لما طلع عليهن يوسف . وشاهدن ذلك الجمال .
ولم يتقدم لهن من عشقه ومحبته ما تقدم لامرأة العزيز . فأفناهن شهود جماله عن حالهن حتى قطعن أيديهن « 1 » .
هامش
( 1 ) كل هذا لا يزال الاستغراب ، بل الاستنكار الشديد لكلمة « الفناء » والمراد منها . وامرأة العزيز كانت أشد النسوة تأثرا بجمال يوسف ، لأنهن قطعن أيديهن ، وهي قطعت ما هو أهم من الأيدي . فقد مزقت كل أستار العفاف ، وتهتكت في حبه حتى خرجت به معلنة ، ناشرة له في المجتمع . وقد سمى اللّه هذا شغفا . ولم يسمه فناء . لأن هذا الكلام ليس عربيا .