وأما امرأة العزيز : فإنها - وإن كانت صاحبة المحبة - فإنها كانت قد ألفت رؤيته ومشاهدته . فلما خرج لم يتغير عليها حالها كما تغير على العواذل . فكان مقامها البقاء ومقامهن الفناء ، وحصل لهن الفناء من وجهين :
أحدهما : ذهولهن عن الشعور بقطع ما في أيديهن حتى تخطاه القطع إلى الأيدي .
الثاني : فناؤهن عن الإحساس بألم القطع . وهكذا الفناء بالمخوف والفرح بالمحبوب يفني صاحبه عن شعوره وعن إحساسه بالكيفيات النفسانية .
هذا في مشاهدة مخلوق محدث له أشباه وأمثال . وله من يقاربه ويدانيه في الجمال . وإنما فاق بني جنسه في الحسن والجمال ببعض الصفات . وامتاز ببعض المعاني المخلوقة المصنوعة .
فما الظن بمن له الجمال كله ، والكمال كله ، والإحسان والإجمال ، ونسبة كل جمال في الوجود إلى جماله وجلاله أقل من نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس . ولما علم سبحانه أن قوى البشر لا تحتمل - في هذه الدار - رؤيته : احتجب عن عباده إلى يوم القيامة . فينشئهم نشأة يتمكنون بها من مشاهدة جماله ورؤية وجهه . وأنت ترى بعض آياته ومخلوقاته ومبدعاته : كيف يفنى فيها مشاهدها عن غيرها ؟ ولكن هذا كله في المشاهدات العيانية ، والواردات الوجدانية .
وأما المعارف الإلهية : فإن حالة « البقاء » فيها أكمل من حالة « الفناء » وهي حالة نبينا صلوات اللّه وسلامه عليه ، وحال الكمل من أتباعه . ولهذا رأى ما رأى ليلة الإسراء وهو ثابت القلب ، رابط الجأش ، حاضر الإدراك . تام التمييز . ولو رأى غيره بعض ذلك لما تمالك .
فإن قلت : ربما أفهم معنى فناء المعرفة في المعروف وفناء العيان في المعاين . فما معنى فناء الطلب في الوجود ، حتى يكون هو الفناء حقا ؟ .
قلت : متى فهمت الأمرين اللذين قبله فهمت معناه . فإن الواجد لما ظفر بموجوده فني طلبه له واضمحل . وهذا مشهود في الشاهد . فإنك ترى طالب أمر مهم . فإذا ظفرت يداه به وأدركه كيف يبرد طلبه ، ويفنى في وجوده ؟ لكن هذا محال في حق العارف . فإن طلبه لا يفارقه . بل إذا وجد اشتد طلبه . فلا يزال طالبا . فكلما كان أوجد كان أطلب . نعم الذي يفنى طلب حظه في طلب محبوبه وطلب مراضيه . وليس بعد هذا غاية . ولكن الذي يشير إليه القوم : أن العبد يصل في منزلة المحبة والمعرفة والاستغراق في المشاهدة إلى حالة تستولي فيها عليه أنواع القرب وآثار الصفات . بحيث يذهل لبه عن شعوره بطلبه وإرادته ومحبته .
وإيضاح ذلك : أن العبد إذا أقبل على ربه ، وتفقد أحواله ، وتمكن من شهود قيام ربه عليه .
فإنه يكون في أول أمره : مكابدا وصابرا ومرابطا . فإذا صبر وصابر ورابط - صبر في نفسه وصابر عدوه . ورابط على ثغر قلبه أن يدخل فيه خاطر لا يحبه وليّه الحق - ظهر حينئذ في قلبه نور من إقباله على ربه . فإذا قوي ذلك النور غيّبه عن وجوده الذهني . وسرى به في مطاوي الغيب .
فحينئذ يصفو له إقباله على ربه . فإذا صفا له ذلك غاب عن وجوده العيني والذهني . فغاب بنور إقباله على ربه بوصول خالص الذكر وصافيه إلى قلبه ، حيث خلا من كل شاغل من الوجود العيني والذهني . وصار واحدا لواحد . فيستولي نور المراقبة على أجزاء باطنه . فيمتلىء قلبه من نور التوجه ، بحيث يغمر قلبه ، ويستره عما سواه . ثم يسري ذلك النور من باطنه فيعم أجزاء
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 879
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٨٧٩