تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 877

مساهمون:

ص٨٧٧
قيل : متعلق المشيئة أمران : إيجاد ، وإعدام . وكلاهما ممكن . فقول القائل « لا بد أن يكون متعلق المشيئة أمرا وجوديا » دعوى باطلة . نعم العدم المحض لا تتعلق به المشيئة . وأما الإعدام : فهو أخص من العدم . ولولا أنا في أمر أخص من هذا لبسطنا الكلام في هذه المسألة . وذكرنا أوهام الناس وأغلاطهم فيها . وقوله « الفناء اسم لاضمحلال ما دون الحق علما » يعني : يضمحل عن القلب والشهود علما ، وإن لم تكن ذاته فانية في الحال مضمحلة . فتغيب صور الموجودات في شهود العبد ، بحيث تكون كأنها دخلت في العدم ، كما كانت قبل أن توجد . ويبقى الحق تعالى ذو الجلال والإكرام وحده في قلب الشاهد ، كما كان وحده قبل إيجاد العوالم . قوله « علما ، ثم جحدا ، ثم حقا » هذه الثلاثة هي مراتب الاضمحلال إذا ورد على العبد على الترتيب . فإذ جاء وهلة واحدة لم يشهد شيئا من ذلك . وإن كان قد يعرف ذلك إذا عاد إلى علمه وشهوده . فإن الرب سبحانه إذا رقى عبده بالتدريج نور باطنه وعقله بالعلم ، فرأى أنه لا خالق سواه ، ولا رب غيره . ولا يملك الضر والنفع والعطاء والمنع غيره . وأنه لا يستحق أن يعبد - بنهاية الخضوع والحب - سواه . وكل معبود سوى وجهه الكريم فباطل . فهذا توحيد العلم . ثم إذا رقاه الحق سبحانه درجة أخرى فوق هذه أشهده عود المفعولات إلى أفعاله سبحانه . وعود أفعاله إلى أسمائه وصفاته . وقيام صفاته بذاته . فيضمحل شهود غيره من قلبه . وجحد أن يكون لسواه من نفسه شيء البتة . ولم يجحد السوى كما يجحده الملاحدة . فإن هذا الجحود عين الإلحاد . ثم إذا رقاه درجة أخرى أشهده قيام العوالم كلها - جواهرها وأعراضها ، ذواتها وصفاتها - به وحده . أي بإقامته لها وإمساكه لها . فإنه سبحانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، ويمسك البحار أن تغيض أو تفيض على العالم . ويمسك السماء أن تقع على الأرض . ويمسك الطير في الهواء صافات ويقبضن . ويمسك القلوب الموقنة أن تزيغ عن الإيمان . ويمسك حياة الحيوان أن تفارقه إلى الأجل المحدود . ويمسك على الموجودات وجودها . ولولا ذلك لاضمحلت وتلاشت . والكل قائم بأفعاله وصفاته التي هي من لوازم ذاته . فليس الوجود الحقيقي إلّا له . أعني الوجود الذي هو مستغن فيه عن كل ما سواه ، وكل ما سواه فقير إليه بالذات ، لا قيام له بنفسه طرفة عين . ولما كان للفناء مبدأ وتوسط وغاية : أشار إلى مراتبه الثلاث . فالمرتبة الأولى : فناء أهل العلم المتحققين به . والثانية : فناء أهل السلوك والإرادة . والثالثة : فناء أهل المعرفة ، المستغرقين في شهود الحق سبحانه . فأول الأمر : أن تفنى قوة علمه وشعوره بالمخلوقين في جنب علمه ومعرفته باللّه وحقوقه . ثم يقوى ذلك حتى يعدهم كالأموات وكالعدم . ثم يقوى ذلك حتى يغيب عنهم ، بحيث يكلّم ولا يسمع . ويمرّ به ولا يرى . وذلك أبلغ من حال السكر . ولكن لا تدوم له هذه الحال . ولا يمكن أن يعيش عليها .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 877 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى