مدحه . إنما المدح في بقائه بعد فناء خلقه . فهي نظير قوله :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص :
88 ] .
وأما « الفناء » الذي تترجم عنه الطائفة : فأمر غير هذا . ولكن وجه الإشارة بالآية : أن « الفناء » المشار إليه هو ذهاب القلب ، وخروجه من هذا العالم وتعلقه بالعلي الكبير الذي له البقاء . فلا يدركه الفناء . ومن فني في محبته وطاعته وإرادة وجهه : أوصله هذا الفناء إلى منزل البقاء . فالآية تشير إلى أن العبد حقيق أن لا يتعلق بمن هو فان ، ويذر من له البقاء . وهو ذو الجلال والإكرام . فكأنها تقول : إذا تعلقت بمن هو فان : انقطع ذلك التعلق عند فنائه أحوج ما تكون إليه . وإذا تعلقت بمن هو باق لا يفنى : لم ينقطع تعلقك ودام بدوامه .
والفناء الذي يترجم عليه : هو غاية التعلق ونهايته . فإنه انقطاع عما سوى الرب تعالى من كل وجه « 1 » .
ولذلك قال : « الفناء في هذا الباب : اضمحلال ما دون الحق علما . ثم جحدا ، ثم حقا » .
قلت « الفناء » ضد « البقاء » والباقي : إما باق بنفسه من غير حاجة إلى من يبقيه ، بل بقاؤه من لوازم نفسه . وهو اللّه تعالى وحده . وما سواه فبقاؤه ببقاء الرب . وليس له من نفسه بقاء . كما أنه ليس له من نفسه وجود . فإيجاده وإبقاؤه من ربه وخالقه . وإلا فهو ليس له من نفسه إلا العدم قبل إيجاده ، والفناء بعد إيجاده .
وليس المعنى : أن نفسه وذاته اقتضت عدمه وفناءه . وإنما « الفناء » أنك إذا نظرت إلى ذاته - بقطع النظر عن إيجاد موجده له - كان معدوما . وإذا نظرت إليه بعد وجوده - مع قطع النظر عن إبقاء موجده له - استحال بقاؤه . فإنه إنما يبقى بإبقائه . كما أنه إنما يوجد بإيجاده . فهذا معنى قولنا « إنه بنفسه معدوم وفان » فافهمه .
وقد اختلف الناس : هل إفناء الموجود وإعدامه بخلق عرض فيه يسمى الفناء والإعدام ؟ أم بإمساك خلق البقاء له . إذ هو في كل وقت محتاج إلى أن يخلق له بقاء يبقيه ؟ وهي « مسألة الإعدام » المشهورة .
والتحقيق فيها : أن ذاته لا تقتضي الوجود . وهو معدوم بنفسه . فإذا قدّر الرب تعالى لوجوده أجلا ووقتا انتهى وجوده عند حضور أجله . فرجع إلى أصله وهو العدم . نعم قد يقدّر له وقتا ثم يمحو سبحانه ذلك الوقت . ويريد إعدامه قبل وقته . كما أنه سبحانه يمحو ما يشاء .
ويريد استمرار وجوده بعد الوقت المقدر إلى أمد آخر . فإنه يمحو ما يشاء ويثبت . قال اللّه تعالى حاكيا عن نبيه نوح عليه السلام :
قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 2 ) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ( 3 ) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
[ نوح : 2 - 4 ] فإذا أراد اللّه سبحانه إبقاء الشيء : أبقاه إلى حين يشاء . وإذا أراد إفناءه : أعدمه بمشيئته . كما يوجده بمشيئته .
فإن قيل : متعلق المشيئة لا بد أن يكون أمرا وجوديا . فكيف يكون العدم متعلق المشيئة ؟ .
هامش
( 1 ) هذا المعنى لا تعبر عنه كلمة « الفناء » إلا بتكلف شديد يتنافى مع الأسلوب العربي وإنما تعبر هذه الكلمة بوضوح عما يقصده الصوفية من مذهبهم في وحدة الوجود .