أما إساءة الظن بالرب : فإنها عطلت صفات كماله . ونسبته إلى أنه أنزل كتابا مشتملا على ما ظاهره كفر وباطل ، وأن ظاهره وحقائقه غير مراده .
وأما إساءة ظنها بالرسول : فلأنه تكلم بذلك وقرره وأكده . ولم يبين للأمة أن الحق في خلافه وتأويله .
وأما إساءة ظنها بأتباعه : فبنسبتهم لهم إلى التشبيه والتمثيل ، والجهل والحشو ، وهم عند أتباعه أجهل من أن يكفروهم ، إلا من عاند الرسول ، وقصد نفي ما جاء به . والقوم عندهم في خفارة جهلهم « 1 » . قد حجبت قلوبهم عن معرفة اللّه ، وإثبات حقائق أسمائه . وأوصاف كماله .
فصل
قال « الدرجة الثانية : معرفة الذات . مع إسقاط التفريق بين الصفات والذات . وهي تثبت بعلم الجمع . وتصفو في ميدان الفناء . وتستكمل بعلم البقاء . وتشارف عين الجمع » .
نشرح كلامه ومراده أولا . ثم نبين ما له وعليه فيه .
فكانت هذه الدرجة عنده أرفع مما قبلها : لأن التي قبلها نظر في الصفات . وهذه متعلقة بالذات الجامعة للصفات . وإن كانت الذات لا تخلو عن الصفات . فهي قائمة بها . ولا نقول :
إن صفاتها عينها ولا غيرها . لما في لفظ « الغير » من الإجمال والاشتباه . فإن الغيرين قد يراد بهما ما جاز افتراقهما ذاتا أو زمانا ، أو مكانا . وعلى هذا : فليست الصفات مغايرة للذات . وقد يراد بالغيرين : ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر . فيفترقان في الوجود الذهني ، لا في الوجود الخارجي . فالصفات غير الذات بهذا الاعتبار . لأنه قد يقع الشعور بالذات حال ما يغفل عن صفاتها . فتتجرد عن صفاتها في شعور العبد . لا في نفس الأمر .
وقوله « مع إسقاط التفريق بين الصفات والذات » التفريق بين الصفات والذات في الوجود مستحيل . وهو ممكن في الشهود بأن يشهد الصفة ويذهل عن شهود الموصوف ، أو يشهد الموصوف ويذهل عن شهود الصفة . فتجريد الذات أو الصفات : إنما يمكن في الذهن . فالمعرفة في هذه الدرجة : تعلقت بالذات والصفات جميعا . فلم يفرق العلم والشهود بينهما . ولا ريب أن ذلك أكمل من شهود مجرد الصفة ، أو مجرد الذات .
ولا يريد الشيخ أنك تسقط التفريق بين الذات والصفات في الخارج والعلم بحيث تكون الصفات هي نفس الذات . فهذا لا يقوله الشيخ ، وإن كان كثير من أرباب الكلام يقولون : إن الصفات هي الذات . فليس مرادهم : أن الذات نفسها صفة . فهذا لا يقوله عاقل . وإنما مرادهم :
أن صفاتها ليست شيئا غيرها . فإن أراد هؤلاء أن مفهوم الصفة هو مفهوم الذات : فهذا مكابرة .
وإن أرادوا أنه ليس ها هنا أشياء غير الذات انضمت إليها وقامت بها : فهذا حق .
والتحقيق : أن صفات الرب - جل جلاله - داخلة في مسمى اسمه . فليس اسمه « اللّه ، والرب ، والإله » أسماء لذات مجردة ، لا صفة لها البتة . فإن هذه الذات المجردة وجودها مستحيل . وإنما يفرضها الذهن فرض الممتنعات . ثم يحكم عليها . واسم « اللّه » سبحانه « والرب ،
هامش
( 1 ) وهل للجهل خفارة إلا من جنود الشيطان ؟ .