فالعبارات معالم على الحقائق المطلوبة . والمعالم هي الأمارات التي يعلم بها المطلوب . فإذا أوصل العارف كل معنى مما تقدم ذكره على مقصوده ، وصرف همته إلى مجريه وناصبه ومصدره :
اجتمع همه عليه . وتمكن في معرفة الذات التي لها صفات الكمال ، ونعوت الجلال .
ومقصوده : أن يبين في هذه الأركان الثلاثة حال صاحب معرفة الذات ، وكيف تترتب الأشياء في نظره ، ويترقى فيها إلى المقصود ؟ .
مثال ذلك : أن الشواهد أرسلته إلى الصفات بإرسالها عليها . فانتقل من مشاهدتها إلى مشاهدة الصفات . والوسائط التي كان يراها آية على المدارج انتقل . فانتقل منها إلى المدارج ولم يلقها . وإنما تعلق بما هي آية له . والعبارات التي كانت عنده ألفاظا خارجة عن المعبر عنه :
صارت أمارات توصله إلى الحقيقة المعبر عنها . فبهذه الأركان الثلاثة يصير بها من أهل معرفة الذات عنده .
قوله « وهذه معرفة الخاصة التي تؤنس من أفق الحقيقة » أي تدرك وتحس من ناحية الحقيقة . و « الإيناس » الإدراك والإحساس قال اللّه تعالى :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
[ النّساء : 6 ] وقال موسى :
إِنِّي آنَسْتُ ناراً
[ طه : 10 ، والنمل : 7 ، والقصص : 29 ] .
والمقصود : أن العارف إذا علق همه بأفق الحقيقة ، وأعرض عن الأسباب والوسائط - لا إعراض جحود وإنكار ، بل إعراض اشتغال ، ونظر إلى عين المقصود - أوصله ذلك إلى معرفة الذات الجامعة لصفات الكمال . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
قال : « الدرجة الثالثة : معرفة مستغرقة في محض التعريف . لا يوصل إليها الاستدلال . ولا يدل عليها شاهد . ولا تستحقها وسيلة . وهي على ثلاثة أركان : مشاهدة القرب . والصعود عن العلم . ومطالعة الجمع . وهي معرفة خاصة الخاصة » .
إنما كانت هذه المعرفة عنده أرفع مما قبلها : لأن ما قبلها متعلقة بالوسائط والشواهد .
متصلة إلى المطلوب . وهذه متعلقة بعين المقصود فقط . طاوية للوسائط والشواهد . فالوسائط صاعدة عنها إليه . وهي غالبة على حال العارف وشهوده . وقد استغرقت إدراكه لما هو فيه .
بحيث غاب عن معرفته بمعروفه ، وعن ذكره بمذكوره . وعن وجوده بموجوده .
فقوله « مستغرقة في محض التعريف » .
« المعرفة » صفة العبد وفعله . و « التعريف » فعل الرب وتوفيقه . فاستغرقت صفة العبد في فعل الرب وتعريفه نفسه لعبده .
وقوله « لا يوصل إليها بالاستدلال » يريد : أن هذه المعرفة في الدرجة الثالثة لا يوصل إليها بسبب . فإن الأسباب قد انطوت فيها . والوسائل قد انقطعت دونها . فلا يدل عليها شاهد غيرها .
بل هي شاهد نفسها . فشاهدها وجودها . ودليلها نفسها ولا تعجل بإنكار هذا . فالأمور الوجدانية كذلك . ودليلها نفسها . وشاهدها حقيقتها . فتصير هذه المعرفة للعارف كالأمور الوجدانية .
كاللذة والفرح ، والحب والخوف ، وغيرها من الأمور التي لا يطلب من قامت به شاهدا عليها من سوى أنفسها .
ولعمر اللّه إن هذه درجة من المعرفة منيفة ، ورتبة شريفة . تنقطع دونها أعناق مطايا