به : حوادث . ويسمون علوّه على خلقه ، واستواءه على عرشه : تحيرا . ويتواصون بهذا المكر الكبّار إلى نفي ما دل عليه الوحي ، والعقل والفطرة ، وآثار الصنعة من صفاته . فيسطون - بهذه الأسماء التي سموها هم وآباؤهم - على نفي صفاته وحقائق أسمائه .
الثالث : عدم تشبيهها بما للمخلوق . فإن اللّه سبحانه ليس كمثله شيء ، لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله . فالعارفون به ، المصدقون لرسله ، المقرون بكماله : يثبتون له الأسماء والصفات . وينفون عنه مشابهة المخلوقات . فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه ، وبين التنزيه وعدم التعطيل . فمذهبهم حسنة بين سيئتين ، وهدى بين ضلالتين . فصراطهم صراط المنعم عليهم . وصراط غيرهم صراط المغضوب عليهم والضالين . قال الإمام أحمد رحمه اللّه : « لا نزيل عن اللّه صفة من صفاته . لأجل شناعة المشنعين » وقال : « التشبيه : أن تقول يده كيدي » تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا .
قوله « والإياس من إدراك كنهها ، وابتغاء تأويلها » .
يعني : أن العقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها . فإنه لا يعلم كيف اللّه إلا اللّه ، وهذا معنى قول السلف « بلا كيف » أي بلا كيف يعقله البشر . فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته ، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته ؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها ، ومعرفة معانيها .
فالكيفية وراء ذلك ، كما أنا نعرف معاني ما أخبر اللّه به من حقائق ما في اليوم الآخر . ولا نعرف حقيقة كيفيته ، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق . فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم .
فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله ، والجمال كله ، والعلم كله ، والقدرة كلها ، والعظمة كلها ، والكبرياء كله ؟ من لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما . وما وراء ذلك ؟ الذي يقبض سماواته بيده . فتغيب كما تغيب الخردلة في كف أحدنا . الذي نسبة علوم الخلائق كلها إلى علمه أقل من نسبة نقرة عصفور من بحار العلم الذي لو أن البحر - يمدّه من بعده سبعة أبحر - مداد وأشجار الأرض - من حين خلقت إلى قيام الساعة - أقلام : لفني المداد وفنيت الأقلام ، ولم تنفد كلماته . الذي لو أن الخلق من أول الدنيا إلى آخرها - إنسهم وجنهم ، وناطقهم وأعجمهم - جعلوا صفا واحدا : ما أحاطوا به سبحانه . الذي يضع السماوات على إصبع من أصابعه ، والأرض على إصبع ، والجبال على إصبع ، والأشجار على إصبع . ثم يهزّهنّ . ثم يقول : أنا الملك .
فقاتل اللّه الجهمية والمعطلة ! أين التشبيه ها هنا ؟ وأين التمثيل ؟ لقد اضمحل ها هنا كل موجود سواه . فضلا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال ، ويشابهه فيه . فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته ، وولّاها ما تولّت من وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها ، والمعاني التي لا حقائق لها .
ولما فهمت هذه الطائفة من الصفات الإلهية ما تفهمه من صفات المخلوقين . فرّت إلى إنكار حقائقها . وابتغاء تحريفها ، وسمّته تأويلا . فشبهت أولا . وعطلت ثانيا . وأساءت الظن بربها وبكتابه وبنبيه وبأتباعه .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 870
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٨٧٠