تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 873

مساهمون:

ص٨٧٣
والضر ، والعطاء والمنع - كملت وتمت في هذه الدرجة معرفته ، واستكملت بهذا البقاء الذي أوصله إليه الفناء ، وشارفت عين الجمع بعد علمه . فغاب العارف عن معرفته بمعروفه ، وعن ذكره بمذكوره ، وعن محبته وإرادته بمراده ومحبوبه . فلذلك قال : « ويستكمل بعلم البقاء . ويشارف عين الجمع » . ولهذه المعرفة ثلاثة أركان : أشار إليها الشيخ بقوله « إرسال الصفات على الشواهد . وإرسال الوسائط على المدارج . وإرسال العبارات على المعالم » . « شواهد الصفات » هي التي تشهد بها ، وتدل عليها : من الكتاب والسنة ، وشهادة العقل والفطرة وآثار الصنعة . فإذا تمكن العبد في التوحيد علم أن الحق سبحانه هو الذي علمه صفات نفسه بنفسه ، لم يعرفها العبد من ذاته ، ولا بغير تعريف الحق له ، بما أجراه له سبحانه على قلبه من معرفة تلك الشواهد ، والانتقال منها إلى المشهود المدلول عليه . فهو سبحانه الذي شهد لنفسه في الحقيقة . إذ تلك الشواهد مصدرها منه . فشهد لنفسه بنفسه . بما قاله وفعله وجعله شاهدا لمعرفته . فهو الأول والآخر . والعبد آلة محضة ، ومنفعل ومحل لجريان الشواهد ، وآثارها وأحكامها عليه . ليس له من الأمر شيء . فهذا معنى إرسال الصفات على الشواهد فإذا أرسلها عليها تبين له أن الحكم للصفات دون الشواهد ، بل الشواهد هي آثار الصفات . فهذا وجه . ووجه ثان أيضا . وهو : أن الشواهد بوارق وتجليات تبدو للشاهد . فإذا أرسل الصفات على تلك الشواهد توارى حكم تلك البوارق والتجليات في الصفات . وكان الحكم للصفات . فحينئذ يترقى العبد إلى شهود الذات شهودا علميا عرفانيا كما تقدم . قوله « وإرسال الوسائط على المدارج » « الوسائط » هي الأسباب المتوسطة بين الرب والعبد التي بها تظهر المعرفة وتوابعها . و « المدارج » هي المنازل والمقامات التي يترقى العبد فيها إلى المقصود . وقد تكون « المدارج » الطرق التي يسلكها إليه ويدرج فيها . فإرسال الوسائط التي من الرب على المدارج التي هي منازل السير وطرقه : توجب كون الحكم لها دون المدارج . فيغيب عن شهود المدارج بالوسائط ، وقد غاب عن شهود الوسائط بالصفات . فيترقى حينئذ إلى شهود الذات . وحقيقة الأمر : أن يعلم أن الرب سبحانه ما أطلعه على معرفته إلا بشواهد منه سبحانه ، وبوسائط ليست من العبد . فهو قادر على قبض تلك الشواهد والوسائط ، وعلى إجرائها على غيره . فإن الأمر كله له . وتلك الوسائط لا توجب بنفسها شيئا . قال اللّه تعالى لرسوله :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا ( 86 ) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً
( 87 ) [ الإسراء : 86 ، 87 ] وقال للأمة على لسانه :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ
[ الأنعام : 46 ] وقال تعالى :
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ
[ يونس : 16 ] ويعلم العبد أن ما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله من شواهد معرفته ، والإيمان به : هي معالم يهتدي بها عباده إليه ، ويعرفون بها كماله وجلاله وعظمته . فإذا تيقنوا صدقه ولم يشكوا فيه ، وتفطنوا لآثار أسمائه وصفاته في أنفسهم وفي سواهم : انضم شاهد العقل والفطرة إلى شاهد الوحي والشرع . فانتقلوا حينئذ من الخبر إلى العيان .