يشاركه فيه غيره : من مشاهدة صنعته ، فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي ، وهذه المخلوقات : من بعض صنعه ؟ .
وإذا اعتبرت المخلوقات والمأمورات ، وجدتها بأسرها كلها دالة على النعوت والصفات ، وحقائق الأسماء الحسنى . وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى بمكابرة . ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة . كما قال تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
( 21 ) [ الذّاريات : 21 ] فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب جل جلاله ونعوته وأسمائه . فهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها . وتنادي عليها ، وتدل عليها ، وتخبر بها بلسان النطق والحال . كما قيل :
تأمّل سطور الكائنات . فإنها * من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خطّ فيها - لو تأملت خطها - * ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل
تشير بإثبات الصفات لربها * فصامتها يهدي ، ومن هو قائل
فلست ترى شيئا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ، ونعوت كماله ، وحقائق أسمائه . وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها . فهي تدل عقلا وحسا ، وفطرة ونظرا ، واعتبارا .
قوله « بتبصير النور القائم في السر » يعني : أن النور الإلهي الذي جعله اللّه لعبده ، ويلقيه إليه ، ويودعه في سره : هو الذي يبصّره بشواهد صفاته . فكلما قوي هذا النور في قلب العبد :
كان بصره بالصفات أتم وأكمل ، وكلما قلّ نصيبه من هذا النور ، وطفىء مصباحه في قلبه : طفىء نور التصديق بالصفات وإثباتها في قلبه . فإنه إنما يشاهدها بذلك النور . فإذا فقده لم يشاهدها .
وجاءت الشبه الباطلة مع تلك الظلمة . فلم يكن له نصيب منها سوى الإنكار .
قوله « وطيب حياة العقل لزرع الفكر » أي يدرك الصفات بذلك النور القائم في سره ، وطيب حياة عقله ، التي طيبها زرع الفكر الصحيح ، المتعلق بما دعا اللّه سبحانه عباده إلى الفكر فيه ، بقوله :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ آل عمران : 191 ] وقوله :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
[ الرّوم : 8 ] وقوله :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
[ البقرة : 219 ، 220 ] فيتفكرون في الآيات التي بينها لهم . فيستدلون بها على توحيده ، وصفات كماله ، وصدق رسله ، والعلم بلقائه . ويتفكرون في الدنيا وانقضائها ، واضمحلالها وآفاتها ، والآخرة ودوامها وبقائها وشرفها . وقوله :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( 21 ) [ الرّوم : 21 ] فالفكر الصحيح ، المؤيد بحياة القلب ، ونور البصيرة : يدل على إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال وأما فكر مصحوب بموت القلب وعمى البصيرة : فإنما يعطي صاحبه نفيها وتعطيلها .
قوله « وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار » يعني : أنه ينضاف إلى نور البصيرة وطيب حياة العقل : حياة القلب بحسن النظر ، الدائر بين تعظيم الخالق - جل جلاله - وحسن الاعتبار بمصنوعاته الدالة عليه . فلا بدّ من الأمرين . فإنه إن غفل بالتعظيم عن حسن