تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 872

مساهمون:

ص٨٧٢
والإله » اسم لذات لها جميع صفات الكمال ونعوت الجلال . كالعلم ، والقدرة ، والحياة ، والإرادة ، والكلام ، والسمع والبصر ، والبقاء ، والقدم ، وسائر الكمال الذي يستحقه اللّه لذاته . فصفاته داخلة في مسمى اسمه . فتجريد الصفات عن الذات ، والذات عن الصفات : فرض وخيال ذهني لا حقيقة له . وهو أمر اعتباري لا فائدة فيه . ولا يترتب عليه معرفة . ولا إيمان ، ولا هو علم في نفسه . وبهذا أجاب السلف الجهمية لما استدلوا على خلق القرآن . بقوله تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ الزّمر : 62 ، والرعد : 16 ] قالوا : والقرآن شيء . فأجابهم السلف بأن القرآن كلامه ، وكلامه من صفاته . وصفاته داخلة في مسمى اسمه - كعلمه وقدرته وحياته ، وسمعه وبصره ، ووجهه ويديه - فليس « اللّه » اسما لذات لا نعت لها ، ولا صفة ، ولا فعل ، ولا وجه ، ولا يدين . ذلك إله معدوم مفروض في الأذهان . لا وجود له في الأعيان ، كإله الجهمية . الذي فرضوه غير خارج عن العالم ولا داخل فيه ، ولا متصل به ولا منفصل عنه ، ولا محايث له ولا مباين . وكإله الفلاسفة الذي فرضوه وجودا مطلقا لا يتخصص بصفة ولا نعت ، ولا له مشيئة ولا قدرة ، ولا إرادة ولا كلام . وكإله الاتحادية الذي فرضوه وجودا ساريا في الموجودات ظاهرا فيها . هو عين وجودها . وكإله النصارى الذي فرضوه قد اتخذ صاحبة وولدا . وتدرع بناسوت ولده . واتخذ منه حجابا . فكل هذه الآلهة مما عملته أيدي أفكارها « 1 » . وإله العالمين الحق : هو الذي دعت إليه الرسل وعرفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله فوق سماواته على عرشه ، بائن من خلقه ، موصوف بكل كمال ، منزه عن كل نقص . لا مثال له . ولا شريك . ولا ظهير . ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( 3 ) [ الحديد : 3 ] غني بذاته عن كل ما سواه . وكل ما سواه فقير إليه بذاته . قوله « وهي تثبت بعلم الجمع ، وتصفو في ميدان الفناء » يعني : أن هذه المعرفة الخاصة تثبت بعلم الجمع . ولم يقل « بحال الجمع ، ولا بعينه ، ولا مقامه » فإن علمه أولا : هو سبب ثبوتها . فإن هذه المعرفة لا تنال إلا بالعلم . فهو شرط فيها . وسيأتي الكلام - إن شاء اللّه تعالى - في « الجمع » عن قريب . فإذا علم العبد انفراد الرب سبحانه بالأزل والبقاء والفعل ، وعجز من سواه عن القدرة على إيجاد ذرة أو جزء من ذرة . وأنه لا وجود له من نفسه . فوجوده ليس له ، ولا به ولا منه . وتوالي هذا العلم عن القلب : يسقط ذكر غيره سبحانه عن البال والذكر . كما سقط غناه وربوبيته وملكه وقدرته . فصار الرب سبحانه وحده : هو المعبود والمشهود والمذكور ، كما كان وحده : هو الخالق المالك ، الغني الموجود بنفسه أزلا وأبدا . وأما ما سواه : فوجوده - وتوابع وجوده - عارية ليست له . وكلما فني العبد عن ذكر غيره وشهوده : صفت هذه المعرفة في قلبه . فلهذا قال « وتصفو في ميدان الفناء » استعار الشيخ للفناء « ميدانا » وأضافه إليه لاتساع مجاله . لأن صاحبه قد انقطع التفاته إلى ضيق الأغيار ، وانجذبت روحه وقلبه إلى الواحد القهار . فهي تجول في ميدان أوسع من السماوات والأرض ، بعد أن كانت مسجونة في سجون المخلوقات . فإذا استمر له عكوف قلبه على الحق سبحانه ، ونظر قلبه إليه كأنه يراه ، ورؤية تفرده بالخلق والأمر ، والنفع
هامش
( 1 ) الكفر ملة واحدة . ففي الواقع : ما يأله هؤلاء جميعا إلا ما أوهمهم الشيطان .