الاعتبار « 1 » : لم يحصل له الاستدلال على الصفات . وإن حصل له الاعتبار من غير تعظيم الخالق سبحانه : لم يستفد به إثبات الصفات . فإذا اجتمع له تعظيم الخالق وحسن النظر في صنعه : أثمرا له إثبات صفات كماله ولا بد .
و « الاعتبار » هو أن يعبر نظره من الأثر إلى المؤثر ، ومن الصنعة إلى الصانع . ومن الدليل إلى المدلول . فينتقل إليه بسرعة لطف إدراك . فينتقل ذهنه من الملزوم إلى لازمه . قال اللّه تعالى :
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
[ الحشر : 2 ] و « الاعتبار » افتعال من العبور . وهو عبور القلب من الملزوم إلى لازمه . ومن النظير إلى نظيره .
وهذا « الاعتبار » يضعف ويقوى ، حتى يستدل صاحبه بصفات اللّه تعالى وكماله على ما يفعله ، لحسن اعتباره وصحة نظره . وهو اعتبار الخواص واستدلالهم فإنهم يستدلون بأسماء اللّه وصفاته وأفعاله ، وأنه يفعل كذا ولا يفعل كذا . فيفعل ما هو موجب حكمته وعلمه وغناه وحمده ، ولا يفعل ما يناقض ذلك . وقد ذكر سبحانه هذين الطريقين في كتابه . فقال تعالى في الطريق الأولى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصّلت : 53 ] ثم قال في الطريق الثانية
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ فصّلت : 53 ] فمخلوقاته دالة على ذاته وأسمائه وصفاته ، وأسماؤه وصفاته دالة على ما يفعله ويأمر به ، وما لا يفعله ولا يأمر به .
مثال ذلك : أن اسمه « الحميد » سبحانه يدل على أنه لا يأمر بالفحشاء والمنكر . واسمه « الحكيم » يدل على أنه لا يخلق شيئا عبثا . واسمه « الغني » يدل على أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا . واسمه « الملك » يدل على ما يستلزم حقيقة ملكه : من قدرته ، وتدبيره ، وعطائه ومنعه ، وثوابه وعقابه ، وبثّ رسله في أقطار مملكته ، وإعلام عبيده بمراسيمه ، وعهوده إليهم ، واستوائه على سرير مملكته الذي هو عرشه المجيد . فمتى قام بالعبد تعظيم الحق - جل جلاله - وحسن النظر في الشواهد ، والتبصر والاعتبار بها : صارت الصفات والنعوت مشهودة لقلبه قبلة له .
قوله « وهي معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها » .
لا يريد بالعامة الجهال الذين هم عوام الناس . وإنما يريد : أن هذه هي المعرفة التي وقف عندها العموم ولم يتعدوها . وأما معرفة أهل الذوق والمحبة الخاصة : فأخص من هذا كما سيأتي .
قوله « وهي على ثلاثة أركان : إثبات الصفة من غير تشبيه - إلى آخرها » هذه ثلاثة أشياء :
أحدها : إثبات تلك الصفة . فلا يعاملها بالنفي والإنكار .
الثاني : أنه لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها اللّه به . بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة . فلا يعطل الصفة . ولا يغير اسمها ويعيرها اسما آخر . كما تسمي الجهمية والمعطلة سمعه وبصره ، وقدرته وحياته ، وكلامه : أعراضا . ويسمون وجهه ويديه وقدمه - سبحانه - :
جوارح وأبعاضا . ويسمون حكمته وغاية فعله المطلوبة : عللا وأغراضا . ويسمون أفعاله القائمة
هامش
( 1 ) محال : أن يصح للقلب تعظيمه لربه ثمرة من آثار أسمائه وصفاته ، وتدبر آياته القرآنية ، ويغفل به عن حسن الاعتبار ، ولا أن يحصل له اعتبار من غير تعظيم .