[ الشّورى : 51 ] فنوع تكليمه إلى تكليم بواسطة ، وتكليم بغير واسطة . وكذلك قوله لموسى عليه السلام :
إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي
[ الأعراف : 144 ] ففرق بين الرسالة والكلام .
والرسالة إنما هي بكلامه . وكذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « إنكم ترون ربكم عيانا . كما ترون القمر ليلة البدر في الصحو ، ليس دونه سحاب ، وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب » ومعلوم أن هذا البيان والكشف والاحتراز : ينافي إرادة التأويل قطعا . ولا يرتاب في هذا من له عقل ودين .
قوله : « وظهرت شواهدها في الصنعة » .
هذا هو الطريق الثاني من طرق إثبات الصفات . وهو دلالة الصنعة عليها . فإن المخلوق يدل على وجود خالقه ، على حياته وعلى قدرته ، وعلى علمه ومشيئته . فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزاما ضروريا . وما فيه من الإتقان والإحكام ووقوعه على أكمل الوجوه : يدل على حكمة فاعله وعنايته . وما فيه من الإحسان والنفع ، ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق :
يدل على رحمة خالقه ، وإحسانه وجوده . وما فيه من آثار الكمال : يدل على أن خالقه أكمل منه .
فمعطي الكمال أحق بالكمال . وخالق الأسماع والأبصار والنطق : أحق بأن يكون سميعا بصيرا متكلما . وخالق الحياة والعلوم ، والقدر والإرادات : أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه . فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات : هو من أدل شيء على إرادة الرب سبحانه ، ومشيئته وحكمته ، التي اقتضت التخصيص .
وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب ، على الوجه المطلوب : دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات . وعلى سمعه لسؤال عبيده . وعلى قدرته على قضاء حوائجهم . وعلى رأفته ورحمته بهم .
والإحسان إلى المطيعين ، والتقرب إليهم والإكرام ، وإعلاء درجاتهم : يدل على محبته ورضاه . وعقوبته للعصاة والظلمة ، وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة : تدل على صفة « الغضب والسخط » والإبعاد . والطرد والإقصاء : يدل على المقت والبغض .
فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل . ولهذا دعا سبحانه في كتابه عباده إلى الاستدلال بذلك على صفاته . فهو يثبت العلم بربوبيته ووحدانيته ، وصفات كماله بآثار صفته المشهودة . والقرآن مملوء بذلك .
فيظهر شاهد اسم « الخالق » من نفس المخلوق . وشاهد اسم « الرازق » من وجود الرزق والمرزوق . وشاهد اسم « الرحيم » من شهود الرحمة المبثوثة في العالم . واسم « المعطي » من وجود العطاء الذي هو مدرار لا ينقطع لحظة واحدة . واسم « الحليم » من حلمه عن الجناة والعصاة وعدم معاجلتهم . واسم « الغفور » و « التواب » من مغفرة الذنوب ، وقبول التوبة . ويظهر شاهد اسمه « الحكيم » من العلم بما في خلقه وأمره من الحكم والمصالح ووجوه المنافع . وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره . يعرفه من عرفه ويجهله من جهله . فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته .
وكل سليم العقل والفطرة يعرف قدر الصانع وحذقه وتبريزه على غيره ، وتفرده بكمال لم