تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 866

مساهمون:

ص٨٦٦
واستقر به الإيمان في نصابه . ففصلت الرسالة الصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي . وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ ، وأبعده من الإجمال والاحتمال ، وأمنعه من قبول التأويل . وكذلك كان تأويل آيات الصفات وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد وأخباره . بل أبعد منه لوجوه كثيرة . ذكرتها في كتاب « الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة » بل تأويل آيات الصفات - بما يخرجها عن حقائقها - كتأويل آيات الأمر والنهي سواء . فالباب كله باب واحد . ومصدره واحد . ومقصوده واحد . وهو إثبات حقائقه والإيمان بها . وكذلك سطا على تأويل آيات المعاد قوم ، وقالوا : فعلنا فيها كفعل المتكلمين في آيات الصفات . بل نحن أعذر . فإن اشتمال الكتب الإلهية على الصفات والعلو وقيام الأفعال ؛ أعظم من نصوص المعاد للأبدان بكثير . فإذا ساغ لكم تأويلها ، فكيف يحرم علينا نحن تأويل آيات المعاد ؟ . وكذلك سطا قوم آخرون على تأويل آيات الأمر والنهي ، وقالوا : فعلنا فيها كفعل أولئك في آيات الصفات ، مع كثرتها وتنوعها . وآيات الأحكام لا تبلغ زيادة على خمسمائة آية . قالوا : وما يظن أنه معارض من العقليات لنصوص الصفات . فعندنا معارض عقلي لنصوص المعاد ، من جنسه أو أقوى منه . وقال متأولو آيات الأحكام على خلاف حقائقها وظواهرها : الذي سوغ لنا هذا التأويل : القواعد التي اصطلحتموها لنا . وجعلتموها أصلا نرجع إليه . فلما طردناها كان طردها : أن اللّه ما تكلم بشيء قط ، ولا يتكلم . ولا يأمر ولا ينهى ولا له صفة تقوم به . ولا يفعل شيئا . وطرد هذا الأصل : لزوم تأويل آيات الأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، والثواب والعقاب . وقد ذكرنا في كتاب « الصواعق » أن تأويل آيات الصفات وأخبارها - بما يخرجها عن حقائقها - هو أصل فساد الدنيا والدين . وزوال الممالك . وتسليط أعداء الإسلام عليه : إنما كان بسبب التأويل ، ويعرف هذا من له اطلاع وخبرة بما جرى في العالم . ولهذا يحرم عقلاء الفلاسفة التأويل مع اعتقادهم لصحته . لأنه سبب لفساد العالم ، وتعطيل الشرائع . ومن تأمل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن والسنة : علم قطعا بطلان تأويلها بما يخرجها عن حقائقها . فإنها وردت على وجه لا يحتمل معه التأويل بوجه . فانظر إلى قوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
[ الأنعام : 158 ] هل يحتمل هذا التقسيم والتنويع : تأويل إتيان الرب جل جلاله بإتيان ملائكته أو آياته ؟ وهل يبقى مع هذا السياق شبهة أصلا : أنه إتيانه بنفسه ؟ وكذلك قوله :
* إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 163 ) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
( 164 ) [ النّساء : 163 ، 164 ] ففرق بين الإيحاء العام ، والتكليم الخاص . وجعلهما نوعين . ثم أكد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهم ما يقوله المحرفون . وكذلك قوله :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا