فإن عطّلت شواهد الصفات ، ووضعت أعلامها عن القلوب ، وطمست آثارها ، وضربت بسياط البعد ، وأسبل دونها حجاب الطرد ، وتخلفت مع المتخلفين ، وأوحى إليها القدر : أن اقعدي مع القاعدين . فإن أوصاف المدعو إليه ، ونعوت كماله ، وحقائق أسمائه : هي الجاذبة للقلوب إلى محبته ، وطلب الوصول إليه ، لأن القلوب إنما تحب من تعرفه ، وتخافه وترجوه وتشتاق إليه . وتلتذ بقربه ، وتطمئن إلى ذكره ، بحسب معرفتها بصفاته . فإذا ضرب دونها حجاب معرفة الصفات والإقرار بها : امتنع منها - بعد ذلك - ما هو مشروط بالمعرفة ، وملزوم لها . إذ وجود الملزوم بدون لازمه ، والمشروط بدون شرطه : ممتنع .
فحقيقة المحبة ، والإنابة والتوكل ، ومقام الإحسان : ممتنع على المعطل امتناع حصول المغل من معطل البذر ، بل أعظم امتناعا .
كيف تصمد القلوب إلى من ليس داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ، ولا مباينا له ولا محايثا ؟ بل حظ العرش منه كحظ الآبار والوهاد . والأماكن التي يرغب عن ذكرها ؟ وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها . ولا يرى مكانها . ولا يحب ولا يحب . ولا يقوم به فعل البتة ، ولا يتكلم ولا يكلم . ولا يقرب من شيء ولا يقرب منه شيء . ولا يقوم به رأفة ولا رحمة ولا حنان ، ولا له حكمة ، ولا غاية يفعل ويأمر لأجلها ؟ .
فكيف يتصور على ذلك ، ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه ، ورؤية وجهه الكريم في جنات النعيم . وهو مستو على عرشه فوق جميع خلقه ؟ أم كيف تأله القلوب من لا يحب ولا يحب ، ولا يرضى ولا يغضب . ولا يفرح ولا يضحك ؟ .
فسبحان من حال بين المعطلة وبين محبته ومعرفته ، والسرور والفرح به ، والشوق إلى لقائه ، وانتظار لذة النظر إلى وجهه الكريم ، والتمتع بخطابه في محل كرامته ودار ثوابه ! فلو رآها أهلا لذلك لمنّ عليها به . وأكرمها به . إذ ذاك أعظم كرامة يكرم بها عبده . واللّه أعلم حيث يجعل كرامته ، ويضع نعمته
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
( 53 ) [ الأنعام : 53 ]
وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ]
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 32 ) [ الزّخرف : 32 ] وليس جحودهم صفاته سبحانه ، وحقائق أسمائه : في الحقيقة تنزيها .
وإنما هو حجاب ضرب عليهم ، فظنوه تنزيها . كما ضرب حجاب الشرك والبدع المضلة والشهوات المردية على قلوب أصحابها . وزين لهم سوء أعمالهم . فرأوها حسنة .
عدنا إلى شرح كلامه : قوله : « وقد وردت أساميها بالرسالة - إلى آخره » .
ذكر أن إثبات الصفات دل عليها الوحي الذي جاء من عند اللّه على لسان رسوله ، والحس الذي شاهد به البصير آثار الصنعة ، فاستدل بها على صفات صانعها ، والعقل الذي طابت حياته بزرع الفكر ، والقلب الذي حيي بحسن النظر بين التعظيم والاعتبار .
فأما الرسالة : فإنها جاءت بإثبات الصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة . وكشف الغطاء . وحصّل العلم اليقيني . ورفع الشك والريب . فثلجت له الصدور . واطمأنت به القلوب .