فقعدت المعطلة والجهمية « 1 » على رأس القاعدة الأولى . فحالوا بين القلوب وبين معرفة ربها . وسموا إثبات صفاته ، وعلوه فوق خلقه ، واستواءه على عرشه : تشبيها وتجسيما وحشوا .
فنفّروا عنه صبيان العقول . وسمّوا نزوله إلى سماء الدنيا ، وتكلمه بمشيئته ، ورضاه بعد غضبه ، وغضبه بعد رضاه ، وسمعه الحاضر لأصوات العباد ، ورؤيته المقارنة لأفعالهم ونحو ذلك :
حوادث . وسموا وجهه الأعلى ، ويديه المبسوطتين ، وأصابعه التي يضع عليها الخلائق يوم القيامة : جوارح وأعضاء . مكرا منهم كبّارا بالناس . كمن يريد التنفير عن العسل ، فيمكر في العبارة ، ويقول : مائع أصفر يشبه العذرة المائعة . أو ينفر عن شيء مستحسن فيسميه بأقبح الأسماء . فعل الماكر المخادع . فليس مع مخالف الرسل سوى المكر في القول والعمل .
فلما تم للمعطلة مكرهم . وسلك في القلوب المظلمة الجاهلة بحقائق الإيمان ، وما جاء به الرسول : ترتب عليه الإعراض عن اللّه ، وعن ذكره ومحبته ، والثناء عليه بأوصاف كماله ، ونعوت جلاله ، فانصرفت قوى حبها وشوقها وأنسها إلى سواه .
وجاء أهل الآراء الفاسدة ، والسياسات الباطلة ، والأذواق المنحرفة ، والعوائد المستمرة :
فقعدوا على رأس هذا الصراط . وحالوا بين القلوب وبين الوصول إلى نبيها ، وما كان عليه هو وأصحابه . وعابوا من خالفهم في قعودهم عن ذلك ، ورغب عما اختاروه لأنفسهم ، ورموه بما هم أولى به منه . كما قيل : رمتني بدائها وانسلّت .
وجاء أصحاب الشهوات المفتونون بها ، الذين يعدون حصولها - كيف كان - هو الظفر في هذه الحياة والبغية . فقعدوا على رأس طريق المعاد ، والاستعداد للجنة ولقاء اللّه ، وقالوا : اليوم خمر ، وغدا أمر ، اليوم لك ، ولا تدري : غدا لك ، أو عليك ؟ وقالوا : لا نبيع ذرة منقودة ، بدرّة موعودة :
خذ ما تراه . ودع شيئا سمعت به * في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
وقالوا للناس : خلوا لنا الدنيا . ونحن قد خلينا لكم الآخرة . فإن طلبتم منا ما بأيدينا أحلناكم على الآخرة :
أناس ينقدون عيش النعيم * ونحن نحال على الآخرة
فإن لم تكن مثلما يزعمو * ن فتلك إذا كرّة خاسره
فالإيمان بالصفات ومعرفتها ، وإثبات حقائقها ، وتعلق القلب بها ، وشهوده لها : هو مبدأ الطريق ووسطه وغايته . وهو روح السالكين . وحاديهم إلى الوصول . ومحرك عزماتهم إذا فتروا .
ومثير هممهم إذا قصروا . فإن سيرهم إنما هو على الشواهد . فمن كان لا شاهد له فلا سير له ، ولا طلب ولا سلوك له . وأعظم الشواهد : صفات محبوبهم ، ونهاية مطلوبهم . وذلك هو العلم الذي رفع لهم في السير فشمروا إليه ، كما قالت عائشة رضي اللّه عنها : « من رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقد رآه غاديا رائحا . لم يضع لبنة على لبنة ، ولكن رفع له علم فشمر إليه » ولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل ، حتى يرفع اللّه عز وجل له - بفضله ومنّه - علما يشاهده بقلبه . فيشمر إليه ، ويعمل عليه .
هامش
( 1 ) لم يكن المعطلة والجهمية إلا فرعا من فروع الصوفية لمن دقق البحث في تاريخ العقائد الوثنية .